بغداد ترفع الدولار بعد 4 أشهر من النفي.. وتخفي موعد استبدال العملة عن “الحيتان”

بغداد/ تميم الحسن
قد لا يكون رفع سعر الدولار إلى أكثـر من 1500 دينار هو المفاجأة الأخيرة التي تخبئها بغداد.
ففي الوقت الذي بدأت فيه الأسواق العراقية التعامل مع السعر الجديد للدولار، تستعد الحكومة، بحسب مصادر مطلعة لـ(المدى)، لخطوة أكثـر حساسية، وهي استبدال العملة وحذف الأصفار منها. وتقول المصادر إن العملية قد تبدأ خلال أشهر قليلة، وربما في بداية العام المقبل، على ألا تتجاوز الربع الأول من 2027.
لكن وراء التوقيت سبب آخر.
تعتقد المصادر أن استبدال العملة يمكن أن يساعد في حصر ما لا يقل عن 200 مليار دولار يعتقد أنها موجودة لدى فاسدين. ولذلك يجري، بحسب المصادر، تعتيم على الإجراء حتى الآن. فالحديث المبكر عن تغيير العملة قد يمنح أصحاب الأموال غير المشروعة وقتاً للتحرك. يمكنهم شراء الدولار، أو العقارات، أو تحويل الأموال إلى أصول يصعب ربطها بالنقد الذي سيطلب منهم استبداله لاحقاً.
لهذا، تقول المصادر، تريد بغداد أن تصل الأموال إلى لحظة الاستبدال قبل أن تصل الأخبار إليها.
الدولار أولاً
تأتي هذه الخطوة المحتملة بعد قرار اتخذته بغداد بشأن الدولار، ظلت تنفي وجوده لنحو أربعة أشهر. أمس، أعلنت الحكومة أن سعر بيع الدولار للجمهور سيصبح 1520 ديناراً، مقارنة بـ1320 ديناراً سابقاً.
وفي حزيران، أكدت الحكومة عدم وجود توجه لطباعة العملة أو خفض قيمة الدينار لتعويض نقص السيولة.
ونفى البنك المركزي حينها اعتزامه تعديل سعر الصرف، بعدما تداولت وسائل الإعلام وثيقة مزورة أشارت إلى احتمال رفع سعر الدولار إلى 1600 دينار.
وبموجب قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004، فإن تحديد سعر العملة المحلية مقابل الأجنبية يتم من قبل مجلس إدارة البنك المركزي. لكن البنك قال أمس في بيان إن القرار جاء “نظرًا للظروف الاقتصادية والمالية الراهنة”، وبناءً على توصية مجلس الوزراء، بهدف تلبية المتطلبات المالية للموازنة العامة، مستنداً إلى أحكام قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 المعدل.
وحاول “المركزي” طمأنة السوق إلى أن القرار لا يعني نقصاً في العملة الأجنبية. وقال إن احتياطياته “كافية” لتلبية طلبات تمويل التجارة الخارجية وتسوية البطاقات المصرفية في الخارج، فضلاً عن البيع النقدي للمسافرين.
وفي السوق الموازية، كان رد الفعل أسرع من البيانات الرسمية. تجاوز الدولار 1800 دينار، بعدما كان أقل من 1500 قبل إقرار التعديل، فيما أغلقت أسواق الجملة في بغداد بسبب تذبذب الأسعار. جاء القرار بعد نحو ثلاثة أشهر ونصف من تولي نزار ناصر حسين منصب محافظ البنك المركزي خلفاً لعلي محسن العلاق في حزيران.
20 تريليون دينار
بالنسبة إلى الحكومة، لا يخلو القرار من فائدة واضحة. تقديرات أولية تشير إلى أن سعر الصرف الجديد سيضيف نحو 20 تريليون دينار إلى الموازنة.
لكن هذا الرقم يأتي في مواجهة رقم أكبر، وهو عجز متوقع في موازنة 2027 يبلغ نحو 65 تريليون دينار.
وضمن ردود الفعل على تعديل سعر الصرف، دعا النائب مقداد الخفاجي أعضاء البرلمان إلى عقد جلسة طارئة وفورية لإلزام الحكومة بالتراجع عن زيادة سعر صرف الدولار.
وقال الخفاجي في بيان إن القرار يأتي “في الوقت الذي تتثاقل فيه الكتل السياسية على الوزارات واستحداث مناصب جديدة تثقل كاهل موازنة الدولة”، مضيفاً أن زيادة سعر الصرف “تضيف عبئاً جديداً على المواطن العراقي”. وأكد أن رفع سعر الصرف يتسبب بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية للموظفين والمواطنين ذوي الدخل البسيط. وقال إن “الشارع المثقل بالأزمات لن يحتمل أعباءً جديدة”. وطالب بوضع مصلحة المواطن وقوته المعيشي فوق أي اعتبارات أخرى، والتراجع الفوري عن القرار لتفادي تداعياته على الأسواق المحلية.
شراء الوقت
يرى الباحث والاستشاري الاقتصادي زياد الهاشمي الأمر من زاوية مختلفة.
بالنسبة إليه، فإن تغيير سعر الصرف ليس إصلاحاً بقدر ما هو “شراء للوقت” وتأخير لمسار الإصلاح المالي.
ويقول إن الإصلاح الحقيقي يتطلب إجراءات وقرارات مشددة “لا يرضى بها الكبار”.
لذلك، بحسب الهاشمي، يصبح الخيار الأسهل هو تخفيض قيمة الدينار وتحميل الجمهور مسؤولية الإخفاق المالي والإداري للحكومة.
وهذا الخلاف يضع قرار الدولار داخل خطة اقتصادية أوسع كان رئيس الحكومة علي الزيدي قد قدمها بوصفها خطة إصلاح للنظام الاقتصادي. وكان يفترض، بحسب ما طُرح بشأن الخطة، أن تجري بالتوافق مع الإدارة الأميركية، وأن تتضمن دخول استثمارات أميركية مقابل إنهاء ملف السلاح، وهو مسار يتعثر الآن.
وكانت (المدى) أول من كشف، في تقرير نشر في 11 حزيران الماضي، أن الخطة تقوم على ثلاثة مسارات: تغيير سعر الصرف، وبيع المؤسسات المديونة، واستعادة أموال من الفاسدين. وجرى بحث الخطة والموافقة عليها في اجتماع للتحالف الشيعي عقد في الشهر نفسه في منزل عمار الحكيم، زعيم تيار الحكمة.
ومنذ ذلك الحين، تقول الحكومة إنها استعادت أكثر من تريليون دينار، على شكل أموال وعقارات، من حملات مكافحة الفساد.
ويقول الزيدي إن هذه الأموال ستضاف إلى صندوق جديد.
وقال: “أسسنا صندوق الأجيال، ورصدنا له 1.5 تريليون دينار”.
وفي لقاء أخير مع شيوخ عشائر في بغداد، قال الزيدي إن إصلاح الاقتصاد العراقي يستلزم جذب الاستثمارات الأجنبية، مؤكداً أنه في عام 2031 سيصل إنتاج العراق النفطي إلى 10 ملايين برميل يومياً.
لكن العراق لا يعيش في عام 2031، وتحتاج الحكومة، وفق تصريحات حكومية سابقة، إلى ما لا يقل عن 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية الرواتب والنفقات العامة.
والنفط يشكل نحو 90 % من موارد الموازنة.
لكن الهاشمي يخشى أن يذهب جزء كبير من هذه الفروقات إلى تمويل جهاز حكومي متضخم.
ويرجح أن يذهب جزء كبير من فروقات تغيير أسعار الصرف إلى زيادة التخمة الوظيفية في حكومة تعاني أساساً من فائض كبير في أعداد الموظفين، مع وجود أنباء عن تعيينات جديدة.
وكانت اللجنة المالية في البرلمان قد أفادت بأنه سيتم تثبيت نحو مليون عقد وأجير على الملاك الدائم ضمن موازنة 2027.
بالنسبة إلى النائب السابق ماجد شنكالي، يصعب فصل هذه التعيينات عن الحسابات المالية الجديدة.
وقال إن تغيير سعر الصرف لتغطية عجز الموازنة، في وقت تواصل فيه الحكومة التوسع بالتثبيت والتعيينات، يمثل “الانفصام الكامل عن الواقع مالياً وسياسياً”، في ظل تطورات إقليمية ودولية متسارعة.
موازنة تدفع ثمن الماضي
وتكشف الأرقام الأولية لموازنة 2027 حجم الضغط. وفق اللجنة المالية وخبراء، يبلغ حجم الموازنة نحو 218 تريليون دينار عراقي.
وتبلغ الإيرادات النفطية نحو 144.720 تريليون دينار.
أما النفقات العامة فتصل إلى 217.239 تريليون دينار، بينها 47.897 تريليون دينار للنفقات الاستثمارية، و169.342 تريليون دينار للنفقات التشغيلية.
وتبلغ رواتب الموظفين على الملاك الثابت 68.125 تريليون دينار، بزيادة قدرها 8.951 تريليون دينار.
ويقول الهاشمي في تدوينة إن تفاصيل مسودة الموازنة الجديدة تؤكد أن الحكومة العراقية لم تفعل الكثير لتجاوز التداعيات المؤلمة للحرب على إيران، وإنها تهدف إلى تحميل الشعب جزءاً كبيراً من الألم “لا يستحقه”.

