ثقافة وفن

صورة شخصية لرسام غائب

سعد هادي
لا تتولّد الشخصية الروائية من فراغ، ثمة الكثير من العناصر التي يستعيرها الروائي أو صانع النص من المحيط الخارجي، من ملامحِ الأشخاص الذين عرفهم عن قرب أو احتفظ بآثارهم في ذاكرته، من مراقبته لتصرفاتهم في موقفٍ بذاته، أو عبر متابعة دقيقة لتطور ردود أفعالهم في مراحل زمنية مختلفة، هناك دائماً خلف القناع الذي يفرضه الروائي على الشخصية داخل النص وجه حقيقي يمكن الاستدلال عليه، أو اكتشافه من خلال بعض ملامحه.
في روايتي “تجريد شرقي – دار نينوى، دمشق-2006” هناك شخصية تحمل قناعها المفترض، الذي سيؤهلها للدخول إلى اللعبة الروائية، كما تحمل اسماً مستعاراً هو “شهاب أنور”، وقد حاولتُ استناداً إلى مقالٍ سبق لي نشره بعنوان “فردوس الرسم يتحول إلى متاهة”، واستخدمت مقطعاً منه في النص الروائي أن أشير إلى أن هذه الشخصية هي الرسام العراقي الراحل، شبه المجهول ” فاضل عباس”، وأن كليهما، الرسام الحقيقي وقرينه الروائي، من الممكن أن يتعايشا في الإطار الخيالي ذاته، ولكن لماذا اخترت فاضل عباس دون سواه؟ وكيف فرض حضوره في ذاكرتي ومخيلتي ومن ثم في النص الروائي ذاته؟
للإجابة على هذا السؤال المركب عليَّ أن أعود بضع سنوات إلى الوراء وأروي القصة من بدايتها:
خلال صيف عام 1982 كان ثمة رجل كهل، نحيل، قصير القامة، يتردد على “قاعة الرشيد”، التي كانت تقع في بداية “شارع الرشيد” من جهة “الباب الشرقي”، كان يجلس في وسط القاعة ويبدو “ظاهرياً في الأقل” غير منشغلٍ بما يعرض فيها من أعمالٍ فنيةٍ، بل كان يبدو ضجراً ومتجهماً، كأنه يبحث فقط عن محطةٍ ظليلةٍ أو عن مكانٍ باردٍ، وباستمرار كان الرجل الكهل ذو الشعر الأشيب والشفتين المتهدلتين يحمل معه “علّاقة” بلاستيكية فارغة، من النوع الذي تستعمله ربات البيوت، وقد لفت مظهر الرجل وسيماؤه الغريبة وتجهمه انتباه الموظف الذي كان يعمل في القاعة مساءً -وهو كاتب هذه السطور- فحاول التقرّب إليه، لكنه اكتشف أن من الصعب إقامة حوارٍ مع الكهل، إذ كان يرد على أسئلته بـ “نعمٍ” أو “لا” أو بهمهمةٍ خافتة أو بإيماءةٍ مبهمة، أو بالصمت لا غير، ثم انقطع الحوار وغاب الرجل الكهل عن المجيء، وقد صادفه الموظف فيما بعد -ولمراتٍ عدة- عند واجهةِ محلٍ تجاري أمام “سينما الزوراء”، في “شارع الرشيد” أيضاً، يمتلكه صديق أو قريب للكهل، وعرف أن اسمه “فاضل عباس” وهو من جيل الرسامين الرواد، وله لوحة مشهورة طبعت في بطاقة بريدية، تصوّر سوقاً في “الكاظمية، وقد اتضح أنه أعاد رسم السوق في لوحات عدة، وبتنويعات لونية مختلفة، ليكون موضوعه الأثير، وأن للرجلِ دوراً مشهوداً في مسار الحركة التشكيلية المعاصرة في العراق، لدرجة أن الفنان الراحل جواد سليم “1919-1961” اختاره عضواً في “جماعة بغداد للفن الحديث” عند تأسيسها عام 1951.
وقد عرف الموظف هذه الحقائق وحقائق أخرى عن “فاضل عباس” وكان يريد مناقشتها معه، أو التذرع بها للدخول إلى عالمه، ومن ثم كتابة مقال عنه أو إجراء لقاء صحفي معه، لكن الرجل النحيل، الصموت، الذي شوهد لآخر مرة في صبيحة يومٍ من أيام 1985، ثم اختفى ولم يعد إلى داره مطلقاً، وقيل لاحقاً إنه توفي في حادث مروري ودفن في قبر مجهول، يجهل بالتأكيد أن الموظف -حين كان يعمل رئيساً لقسم البحوث والدراسات الجمالية في “دائرة الفنون التشكيلية” أصبح عضواً في لجنة تشكّلت في الدائرة في أيلول عام 1991، ضمّت في عضويتها فنانين من جيل الرواد هما: شاكر حسن آل سعيد “1926-2004″، ورسول علوان”1928-1996″، وأن اللجنة سعت لجمعِ أعماله المتفرقة، وإعادة التذكير به، والكشف عن مساهمته الإبداعية وخصائص فنه.
في اجتماعهم الأول اتفق أعضاء اللجنة على جمع الوثائق المتعلقة بحياة الرسام، وكانت نقطة البداية من ملفه في أرشيف دائرة الفنون، كانت الوثيقة الأولى في الملف غير مؤرخة، وهي بخط “فاضل عباس” نفسه، وقد أثارت إشكالاً حول سنة تخرجه من “معهد الفنون الجميلة”، إذ يثبِّت فيها ما يلي: دخلتُ معهد الفنون الجميلة، بغداد سنة 1947، بينما أكد “رسول علوان” وهو من معاصري “فاضل عباس” ومن أصدقائه الحميمين أن عام 1947 هو عام تخرجه من المعهد، وأن الفنان لا بد أخطأ في حساب السنين، وحين تم الرجوع إلى سجلات “معهد الفنون الجميلة”، التي كانت موجودة في الأرشيف، تأكد لنا أن عام 1947، هو عام تخرجه من المعهد فعلاً، تضاف إلى ذلك حقيقة أخرى، وهي مشاركته في “جمعية أصدقاء الفن الثالث” الذي أقيم عام 1943 بأربعِ لوحات، وهي فرصة قد تتوفر لطالب فن مجتهد، لكنها لن تتوفر لهاوٍ مجهول، والوثيقة عدا ذلك مكتوبة بلغةٍ ركيكةٍ وتبدأ هكذا:

  • ولدتُ 1924 في بغداد، بدأت هوايتي للرسم منذ 10 سنوات (لعله يقصد منذ سن العاشرة).
    والجزء المهم في الوثيقة مخصص لذكر الفنان “فائق حسن”، إذ يرد فيها ما يأتي: درستُ على يد الأستاذ الكبير فائق حسن، وإني أفتخر كثيراً، وأشكر الأستاذ الكبير على ما أدّاه لي وللطلاب كافة من تدريس قوي وتضحية كبيرة، في سبيل تهيئة طلاب فنانين بكل معنى وإخلاص، حقاً إنها لخدمة إنسانية، سيخلدها التاريخ وسيخلد استاذي المحترم “فائق حسن”.
    وثمة وثيقة أخرى تتعلق بمشاركته باحتفالات “يوم التتويج” هي عبارة عن كتاب شكر وتقدير موجّه من “مديرية المعارف” برقم 17845 في 24 آيار1953 أشير فيه إلى: ” قابليات الفنان العراقي وعلى مقدرته في الإبداع وتذوقه إلى كل ما يمت إلى الفن بصلة”.
    إضافة إلى عدة أوراق دوّنت فيها مشاركات “فاضل عباس” في معارض مختلفة.
    وللعثور على وثائق إضافية راجع الفنان “رسول علوان” مديرية تربية الرصافة التي آل إليها ملف “فاضل عباس”، إذ كان يعمل لسنوات مدرساً للرسم في “اعدادية الأعظمية للبنين”، وقد وردت اشارة إلى ذلك في الوثيقة المكتوبة بخطه، وكانت المشكلة أن هناك ملفات كثيرة لمدرسين يحملون الاسم ذاته، وحتى لقبه وهو “القيسي” لم ينفع لتمييز ملفه من بين تلك الملفات الكثيرة، والتي لم تكن تضم سوى كتب ترقية أو شكر أو عقوبات أو أمور إدارية، ليس فيها ما يثير، أو يتعلق بمسار رحلة إبداعية، كنا نبحث عن فصولها وتفاصيلها. وبعد رحلة طويلة بين أكداس الأوراق الصفراء خرج الفنان “رسول علوان” صفر اليدين.
    أما الموضوع الأهم في عمل اللجنة، وهو العثور على لوحات “فاضل عباس”، وهي متفرقة لدى العديد من مقتني الأعمال الفنية والعوائل البغدادية العريقة، فقد حدد أعضاؤها الأشخاص الذين يحتمل أن تكون لوحاته لديهم، وقد تم الاتصال ببعضهم على عناوينهم، فاتضح أنها قديمة، تغيّرت بالانتقال إلى عناوين أخرى مجهولة، أو أن بعض أصحاب العناوين أصبح بلا عنوان، لانتقاله إلى العالم الآخر، وقد حصلت اللجنة على وعود كثيرة بإعارتها أعمال الفنان الراحل، لغرض إقامة معرض إستعادي له، وعلى اعتذارات أو تسويفات من آخرين لأسبابٍ غير معروفة، وعدا لوحتين إحداهما من مقتنيات “رسول علوان”، وأخرى كانت ضمن المجموعة الدائمة لدائرة الفنون، وعدا رصدها للوحتين أخريين لـه من مقتنيات “نادي المنصور” عرضتا في معرض لرسامي الخمسينيات أقيم في “قاعة الأورفلي” مطلع عام 1992، وحصلت على وعدٍ شبه مؤكد بإعارتهما لها، لم تحصل اللجنة على شيء.
    في الأسابيع التالية واصلنا البحث، ولكن على صعيد آخر، ذهبتُ مع الراحل “رسول علوان” إلى “المكتبة الوطنية”، آملين أن نعثر على مقال كتبه الشاعر حسين مردان “1927-1972″عن “فاضل عباس” في مجلةٍ ما في الخمسينيات، وقد أكدَّ “علوان” أن المجلة – التي لا يتذكر اسمها أو تاريخ صدورها- نشرت صورةً كبيرةً للرسام وصوراً لبعض أعماله، استخرجنا مجلدات لمجلات عديدة وتصفحناها، وسألنا عن مجلات أخرى، لكننا اكتشفنا بعد حين أننا نتشبث بأملٍ ضائعٍ.
    بعد سنوات، وحين حين لم يعد للجنة آنفة الذكر وجود، وبعد أن تلاشت فكرة إقامة المعرض، مثلما تلاشت أفكار أخرى عن مشاريع فنية وثقافية، عثرتُ بالصدفة على العدد الخامس من مجلة “العراق الجديد” -مؤرخ في آيار1961- نشر على صفحته الأخيرة تعريف موجز عن “فاضل عباس” مع صورةٍ شخصيةٍ له، وصورتين لعملين من أعماله، وربما كان ذلك هو ما تذكره “رسول علوان” أو حاول استعادته من ذاكرة حافلة بالحكايات والصور.
    ولم أعثر لاحقاً على ما هو جدير بالذكر بخصوص حياة “فاضل عباس” أو فنه، حتى أن الكاتب العراقي “خالد القشطيني”، الذي توفي في “لندن” عام 2023، لم يذكره في عمود له، نشر في 25 أيار عام 2003، إلا بهذه السطور: صديقي الرسام “فاضل عباس”، أصرَّ على قضاء حياته، في فقر وعوز ومذلة، لأنه فضّلَ قضاء وقته في الرسم بدلاً عن كسب العيش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى