ملامح التجريب في موسيقى محسن نامجو

مجتبى منذر
في أحد أيام شتاء 2020 وأثناء تصفحي لقراءة في سلسلة أعمال هانيبال لكتر ظهرت أغنية لي بالمصادفة بميزة التشغيل التلقائي عبر اليوتيوب. كانت الأغنية تسير على نغم هادئ وفي الأثناء خالطها المغني بضحكة بدأت بصوت خافت، ثم صعّدها شيئًا فشيئًا حتى ابتلعت صوت كلّ الآلات الموسيقية المستخدمة في المقطوعة. بعد أجزاء من الدقيقة انقطع صوت تلك الضحكة واستعادت الآلات روحها فعاود الكرّة ثانية لكن هذه المرة بالبكاء.
من هذا الرجل؟ مستغربًا قلت في نفسي. لأنني منذ البداية عرفت أن مؤدي الأغنية إيراني؛ بسبب صوته ولغته. ثم إنني لم أتعرف مسبقًا إلى هكذا تحوّل في أي أغنية إيرانية. غير أن السياق العربي لم يعرف أيضًا من الأغنية الإيرانية ربما سوى محمد رضا شجريان وحسين علي زاده وشهرام ناظري. اقتربت من التابلت حين انتهت الأغنية لأعرف اسم ذلك المغني. كان اسمه محسن نامجو.
ليست الغرابة وحدها ما جعلتني أتعرف إلى نامجو، بل أسلوب صناعة موسيقاه، والذي يضعه موضع الجدل بين الفضاءات الموسيقية داخل إيران. مثلما صار لدي أسباب كثيرة لاستماعه، كانت لآخرين أسباب أكثر للنفور منه.
نامجو وألبومه الأول
حين أصدر عام ٢٠٠٧ ألبومه الأول تورانج، وجد فيه كثيرون ذروة ما تقدمه الموسيقى الإيرانية الحديثة، بينما رأى آخرون أنه يحدث اختلالًا في شكلها التقليدي. أدخل نامجو في تورانج الشعر الفارسي الكلاسيكي، ومرر من خلاله موضوعات مثل التصوف والحب وألم الفراق، المحشوة بالاستعارات والتشبيهات والإشارات والسخرية. كان يغني قصائد حافظ وجلال الدين الرومي وبابا طاهر، وفريد الدين عطّار الذين يمثلون بالنسبة للإيرانيين روح الشعر الفارسي وأصالته.
مع ذلك حاول نامجو أن يصنع موسيقاه الخاصة في ظل النظام السياسي في إيران، حيث كانت الكثير من الفرق الموسيقية هناك يهاجرون إلى بلاد أخرى ليصنعوا موسيقاهم، وفي ظل شكل الموسيقى هناك. موسيقاه غير معنية تمامًا بالتراث بل بتفكيكه. رغم تضييق الرقابة على الفنون صنع نامجو غالبية أغاني تورانج خفيةً؛ ففي كل مرة أغلقت فيها قوات الباسيج التابعة للنظام استوديو تسجيله اضطر نامجو لفتح استوديو جديد. حتى أن بعض أغاني تورانج صُنعت كما يقال في استوديو تحت الأرض.
بعد أن بيعت أسطوانات تورنج أعجب الإيرانيون صوت نامجو المتوتر أحيانُا والحاد أحيانُا أخرى. كان صوت العزف على الطبل بانفراد وبأسلوب الجاز كما استخدمه في أغانيه مؤثرًا بالنسبة لهم، وكانوا يودون أيضًا لو يكمل نامجو بنفس مستوى الحماس وأن يهيمن صوته الشجي بكلمات الشيخ الرومي على آلة السيتار؛ وهي آلة وترية تشبه العود التقليدي الفارسي. لكن لم يدم هذا الاندهاش طويلًا؛ لأن تجربة نامجو لم تكن قائمة على أن للموسيقى شكلًا ثابتًا.
ملامح التجريب في سيرة محسن نامجو
نشأ نامجو على الشعر الفارسي الكلاسيكي، لهذا لم يبتعد كثيرًا عن الشيخ الرومي في أغانيه. في أواخر مراهقته حصل على منحة دراسية في قسم الموسيقى في جامعة طهران؛ ما جعله يتعرف إلى الموسيقى الغربية وأعجب بها كثيرًا، حتى أنه بعد خروجه من إيران بسبب مخلفات الرقابة واستقراره في أمريكا درسها.
هنا، بدأت تظهر موسيقى الجاز والروك وغيرها في ملامح أعماله ممزوجةً بكلمات من الشعر الكلاسيكي الإيراني كمحاولة لخلق شكل جديد من الموسيقى بالنسبة للايرانيين. شكل يقع بين الموسيقى الكلاسيكية الايرانية وبين الموسيقى الغربية أو ربما ضرب من الخيال كما يراها رضا اسماعيلية الذي يدير معرضًا صغيرًا في طهران.
مع هذا التحول الذي طرأ على موسيقاه لم يغادر نامجو تلك المحاور الرئيسية للجو السائد للمجتمع في إيران؛ فكان الحزن واليأس والفجيعة موجودين في جوهر ابتكاراته وأغانيه. عندما غنى: «طهران، قلبكِ دائمًا مغبر، حلمكِ الحجري وهمي، جانب اتساعكِ ملطخ بالدماء، فإما أن تموتي أو أموت» لم يكن يصف علاقة مواطن بمدينته، وإنما كان يصور روح ذلك الجيل ويأسه. أغنية تعبر عن المرارة التي يعيشها الإيرانيين كما تقول المغنية الإيرانية همسا وحدت؛ غير أنه كان صادقًا وعلى طبيعته تمامًا يعكس آلامه وإحباطاته. لم يُفقده تحول شكل الموسيقى أصالته في الحقيقة بل ضاعف تعقيداته وتوتراته.
هنا، جاز لنا أن نفهم نامجو بوصفه فنانًا تجريبيًا داخل الموسيقى؛ وهذه الهبة في تقديري الأصل الذي شكّل شخصية محسن نامجو. حتى أنه في بعض أعماله مثل delaa dede لا يمكننا أن نمسك خيطًا يربط موسيقاها لأننا نشعر وكأن كلّ شيء ارتجالي وكلّ شيء لا يشبه كلّ شيء. يعود هذا إلى أن للموسيقى نظام، لكنه نظام لا نهائي.
في عمل آخر مثل Zolf يمنحنا نامجو فرصة مشاهدة التوتر بالصورة والصوت؛ انتقالات غير متوقعة ومسار بلا قواعد. يكشف زلف فرادة محسن نامجو وكاركتره التفكيكي الحقيقي.وربما يمكن اعتباره أيضًا مدخلًا لفهم تحركاته داخل الموسيقى والشكل العام لفنه. حيث أن ما يقدمه نامجو، وعلى اعتبار أن كل فعل إبداعي هو فعل تدميري قبل كل شيء كما يقول بيكاسو [كتاب لا فن إلا بفنائه. ترجمة رشيد وحتي.]، من هدم لكل أعراف الموسيقى الإيرانية التقليدية، بالتجريب، هو بناء لها في الحقيقة.
هذا الارتباط بين الهدم والتأسيس ـ يمكن أن نسميه مجازًا التهسيس [مصطلح نحته المترجم كمال الزغباني؛ وهو اشتقاق من فكرة جيل دولوز عن الهدم والتأسيس وهو مصطلح يمثل ذوبان الحدود وترابطها بين فكرة الهدم وفكرة التأسيس.] ـ ارتباط اصلي داخل موسيقى نامجو ويمكن تفسيره ربما لإضفاء مرونة ونوافذ غير متوقعة في الموسيقى التي يصنعها.
في النهاية لا يظهر التجريب عند نامجو في اختياراته الموسيقية فقط، بل في طريقته باستخدام صوته أيضًا. كما لو أن الصوت مادة موسيقية مستقلة. كذلك لا يتردد في الجمع بين الشعر الفارسي الكلاسيكي وأنماط موسيقية مستمدة من الجاز والروك، وهو جمع كان يبدو غير مألوف في سياق اعتاد الفصل بين التراث والحداثة. لهذا تبدو بعض أعماله وكأنها تتحرك بين عوالم متعددة في وقت واحد، الكثرة في واحد كما يقولها الفارابي [كتاب الموسيقي الكبير]. فلا هي تنتمي بالكامل إلى الموسيقى الإيرانية الكلاسيكية ولا تنفصل عنها تمامًا. هذا بمثابة تكريم لتقاليده كما يقول بينما فئات من الإيرانيين لا يرونها كذلك.
نامجو في عين الجمهور الإيراني
السؤال الذي يظهر هنا هو هل وظيفة الموسيقى الحفاظ على التقاليد أم وضعها موضع التشكيك والسؤال؟ إذ نشأ الخلاف حول نامجو من إجابات متعددة حول هذا السؤال. في السياق يمكن ملاحظة أن جزء من مستهلكي الموسيقى في إيران يرون أن الموسيقى ما تزال مشروطة دينيًا وأخلاقيًا وهو ما يجعل أي خروج عن النسق التقليدي يُفهم على أنه تجاوز واستفزاز.
في عام ٢٠٠٩ حكم على نامجو غيابيًا بالسجن بسبب تعويذات جرى نشرها وهي أغنية لحّن ضمنها مجموعة من الآيات القرآنية دامجًا معها بعضًا من أغنية كلمات للسيدة ماجدة الرومي. كان لهذا التشكيل الثوري ضد شكل الأغنية التقليدية والخطوط الحمراء تأثير سلبي على تلقي هذه الفصيلة من الجمهور؛ ربما بسبب أنهم لم يتعرفوا إلى تشكيل آخر يشبهه بنفس الحدة.
بينما في المقابل ترى فصيلة أخرى من الإيرانيين المحافظين في موسيقى نامجو خروجَا عن البنية الكلاسيكية للموسيقى الايرانية وابتعادَا عن معايير جمالياتها. أما الفصيلة الأحدث من الإيرانيين بدت أكثر انفتاحًا على هذا النوع من التجريب ويرونه محاولة لخلق موسيقى حديثة لا تنفصل عن التراث لكنها تمتثل له.
خاتمة
بعد سنوات من الاستماع إلى نامجو في كلّ مرة أكتشف شيئًا جديدًا، ليس على مستوى تكنيك الأغنية واشتغالها أو طريقة إخراج الصوت والتلاعب به أو انكساراته وتعبه، بل على مستوى روح الموسيقى التي يصنعها هذا الرجل. يعود هذا ربما إلى أنه يقدم فنًّا حقيقيًا. على أية حال الفن الحقيقي لا يخطئه سوء الفهم عادة ولهذا يصعب إدراج محسن نامجو ضمن إطار موسيقي محدد.
لهذا لا توجد اليوم نظرة موحدة عند الإيرانيين لما يقدمه من موسيقى إيرانية بشكل خاص وعالمية بشكل أعم. نجح نامجو في النهاية في وضع الموسيقى الإيرانية موضع المسائلة وموضع الإرباك أيضًا.
إذا صادف وكنت لم تجد اللغة الفارسية فموسيقى نامجو لا تطلب منك أن تفهم كلماتها بل استشعارها ومحاولة فهمها. هذه المحاولة في الفهم هي جوهر الاستماع لموسيقى كهذه.

