موسيقى الاحد: أيام ڤاغنر في بودابست

ثائر صالح
الحلقة الرابعة
الدراما الموسيقية
يمكن القول بأن رباعية “خاتم النيبلونغ” عمل موسيقي درامي لا يضاهيه شيء مماثل في تاريخ الموسيقى الأوروبية. إذ ألّف ڤاغنر عملاً من طراز خاص، تتداخل فيه العناصر الدرامية وتشكل مع النص والموسيقى شبكة معقدة مشبعة بشحنة هائلة ومتواصلة من التوتر الدرامي. فهي بعيدة عن الأوبرا التقليدية التي تتألف من سلسلة من الأغاني (آريا) والإلقاء الملحن (كما في حالة أوبرا الباروك والعصر الكلاسيكي) والحوار. هي عبارة عن نص موسيقي ودرامي متواصل دون انقطاع، يشكّل وحدة موسيقية متواصلة، وصل ڤاغنر إليها باستعمال مجموعة من التقنيات منها الثيمات الأساسية (اللحن الدال) والتفاعل بينها وتطورها بالتزامن مع السير الدرامي. لا نسمع فيها اغنية – آريا، بل سيل متواصل من التفاعل الموسيقي الغنائي دون توقف، يتخلله في أحيان قليلة تعليق من الأوركسترا لوحدها، أو رقصة ما.
كتب ڤاغنر الرباعية لأوركسترا كبيرة تراوح عدد أعضائها بين 107 و 124 عازف. كان هذا العدد استثنائياً في ذلك الوقت إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار قوام الفرق وقتها، مثلاً تألفت فرقة جيڤاندهاوس أشهر أوركسترا من 58 عازف سنة 1845، ارتفع بعد سنتين إلى 72. نجم عن استعمال اوركسترا كبيرة عدد من المشاكل، أهمها ضيق خندق الأوركسترا في غالبية دور الأوبرا، فهو لا يتسع لهذا العدد. ونتج عنه كذلك التفكير في كيفية جلوس عازفي مختلف الأقسام بحيث يتمكن قائد الفرقة من رؤيتهم جميعا من أجل توجيههم بسهولة. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي دعت ڤاغنر إلى التفكير في إنشاء مسرح خاص بأعماله، وهو ما تحقق لاحقاً في بايرويت.
تألفت أوركسترا ڤاغنر من 16 عازف كمان أول ومثلها من الكمان الثاني، وقد أجلس قسم الكمان الأول على يمين قائد الفرقة والثاني على يساره. هذا يعني أن صوت الكمان الثاني سيكون على أشدّه في اتجاه الجمهور بينما صوت الكمان الأول في اتجاه المسرح بسبب طريقة حمل الكمان مائلاً وليس بشكل افقي. وربما كان هذا الاختلاف في اتجاه وجه الكمان وراء طريقة جلوس العازفين في الأوركسترات الأمريكية التي اعتمدها كبار قادة الأوركسترا في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، عندما وضعوا الكمان الثاني بعد الأول في يسار المسرح، ومن ثم جاءت الڤيولا في الوسط، وعلى اليمين جلس عازفو التشلو وخلفهم الكونتراباص، بذلك يكون وجه كل الأدوات الموسيقية في مواجهة الجمهور قدر الإمكان. استعمل ڤاغنر كذلك سبع قيثارات في ذهب الراين وست قيثارات في الأجزاء الباقية، أجلس آدام فيشر بعضها في أعلى شرفتين في القاعة على اليمين واليسار في المشهد الرابع من ذهب الراين. ونسمع في الجزأين الأول والثاني أصوات المطارق وهي تضرب السندان على المسرح ومع الأوركسترا في تصوير مميز لطرق الذهب من أجل صنع الخاتم، كذلك إعادة صناعة السيف السحري نوتونغ من القطع المكسورة على يد زيغفريد في الحلقة الثالثة المسماة باسمه. استعمل كذلك عدداً من الأدوات الموسيقية “خارج المسرح” مثل القيثارات مارة الذكر والهورن وغيرها.

