“ميثوس”.. الوحش الرقمي الذي أخاف البنوك | تكنولوجيا

تم النشر بتاريخ 21/04/2026
|
آخر تحديث: 6:36 مساءً (بتوقيت مكة)
بينما يتطلع العالم إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين الإنتاجية وتوليد الصور، ظهر “الوحش” الذي غيّر قواعد اللعبة إلى الأبد، ولكن هذه المرة على مستوى مختلف، حيث شهدت المؤسسات المالية الكبرى إحدى أكبر أزماتها قبل أيام وأدركت أن خوفها مما سيأتي قد جاء بالفعل.
في أوائل شهر أبريل من هذا العام، أعلنت شركة أنثروبيك عن أحدث وأقوى نموذج للذكاء الاصطناعي لديها والذي يختلف عن سلسلة “كلود” التقليدية، نموذج “ميثوس”. كان الهدف من إطلاقه هو أن يكون “عميلًا إلكترونيًا” يتمتع بقدرات عالية، حيث يتميز بقدرته على اكتشاف الثغرات الأمنية، مما يسمح للشركات بتصحيحها.
لكن “ميثوس” شكل رعبا حقيقيا على البنوك العالمية الكبرى، وأثار حالة من التأهب الشديد داخل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمفوضية الأوروبية، بعد أن أثبت قدرة مرعبة على تحديد الثغرات الأمنية المخبأة في رموز البرمجيات المصرفية لمدة ثلاثين عاما.
ما نتحدث عنه هنا ليس مجرد أداة، بل كيان رقمي قادر على التفكير الاستراتيجي لاختراق الحصون الرقمية الأكثر تعقيدًا في ثوانٍ.

ما هو نموذج “ميثوس”؟
ويُصنف “ميثوس” تقنيًا على أنه نموذج لغة كبير من الجيل الخامس (LLM)، طورته شركة “أنثروبيك” الأمريكية بالتعاون مع وكالات أبحاث أمنية.
وفقًا لتقرير مسرب نشرته مجلة Wired الأمريكية في أبريل، فإن “Methos” هو الإصدار الأكثر تقدمًا من عائلة نماذج “Claude”، ولكن تم تدريبه على نطاق واسع في “الهندسة العكسية” وتحليل رموز البرامج المعقدة.
وعلى عكس النماذج السابقة التي قدمت نصائح عامة، يتميز “Methos” بما يسمى “الاستدلال السيبراني المستقل”، مما يعني أنه لا يتطلب توجيهًا بشريًا دقيقًا. وبدلاً من ذلك، كل ما عليك فعله هو إعطائه عنوان موقع ويب أو نسخة من رمز البرنامج، وسيقوم بالبحث عن “الشقوق” المخفية من تلقاء نفسه.
كيف يعمل ميثوس؟
يعمل Methos من خلال ثلاث طبقات من المعالجة تجعله متفوقًا على أي نظام دفاع تقليدي:
1- المسح العميق والتعرف على الأنماط (المسح العميق)
ووفقا لورقة بحثية من جامعة ستانفورد، فإن “ميثوس” يستخدم آلية تسمى “الانتباه متعدد الأبعاد”، حيث يمكنه قراءة ملايين الأسطر من التعليمات البرمجية في أجزاء من الثانية، ليس فقط للبحث عن الأخطاء المعروفة، ولكن أيضا للتنبؤ بكيفية تفاعل أجزاء من التعليمات البرمجية بطرق لم يقصدها المبرمجون الأصليون.
2- توليد الاستغلال التلقائي
بمجرد العثور على ثغرة أمنية مثل ثغرة Zero-Day، تقوم Methos على الفور بكتابة “الرمز الهجومي”. وفي تجربة موثقة أجرتها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة (DARPA)، تمكن النموذج من اختراق نظام تشغيل Linux محدث بالكامل في أقل من أربع دقائق، وهي عملية كانت ستستغرق أسابيع من البحث من قبل فرق القرصنة الأكثر مهارة.
3- التغلب على الدفاعات السلوكية
تعتمد البنوك عادة على أنظمة تكتشف أنماط الهجوم الغريبة، لكن ميثوس ذكية بما يكفي لتمويه هجماتها لتشبه حركة المرور العادية، مما يجعلها “غير مرئية” لأنظمة الرادار السيبراني التقليدية.
ما هو نوع الخطر الذي تشكله “ميثوس”؟
الرعب الذي تسببه “الأساطير” في القطاع المالي يكمن في ثلاثة أسباب أساسية، حسبما نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، وهي:
– خطورة “الأنظمة القديمة”
تعتمد البنوك الكبرى، مثل بنك باركليز البريطاني أو جي بي مورغان الأمريكي، على أنظمة برمجية قديمة جدًا مكتوبة بلغات مثل COBOL، وهذه الأنظمة معقدة للغاية لدرجة أن المبرمجين الحاليين يخافون من التطرق إليها، لكن النموذج الجديد “ميثوس” تمكن من فهم هذه الرموز القديمة وإيجاد الثغرات الأمنية التي كانت خاملة منذ الثمانينيات والتسعينيات.
– سرعة الهجوم المتزامنة
ويمكن لـ”ميثوس” إدارة آلاف الهجمات في وقت واحد، مثل جيش من المتسللين يتكون من عشرة آلاف شخص يعملون في تناغم تام وبسرعة الضوء، ويمكن أن يؤدي هذا النوع من الهجمات إلى انهيار النظام المصرفي العالمي خلال ساعات إذا استهدفت نقاط المقاصة المالية.
– يختفي “عامل الوقت”.
في السابق، كان لدى البنوك ساعات أو أيام للرد بعد اكتشاف محاولة اختراق، ولكن مع Mythos، تحدث عمليات الاختراق والسرقة وتشفير البيانات في وقت واحد، مما يلغي أي فرصة للاستجابة البشرية.

تحذيرات دولية.. لماذا الآن؟
لقد صدرت تحذيرات صارمة من الإنتربول والمنتدى الاقتصادي العالمي بخصوص “METHOS”، والسبب في ذلك ليس قوة النموذج فحسب، بل أيضًا “ديمقراطية القرصنة”. إذا تم تسريب هذا النموذج أو بيعه وتمكن أي هاوٍ من الحصول عليه، فإنه سيتحول فجأة إلى “إرهابي إلكتروني” يتمتع بقدرات قوة عظمى.
كما حذّرت وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) من أن “ميثوس” يمثل “تغييرا وجوديا” في مفهوم الحرب الباردة الرقمية، التي لم تعد القوة فيها بعدد الصواريخ، بل بعدد “المعلمات” في نموذج الذكاء الاصطناعي.
لماذا تم تقديمه وما هو الغرض منه؟
قد يتساءل البعض: إذا كانت ميثوس خطيرة إلى هذا الحد، فلماذا ابتكرتها الأنثروبيك؟ هذا السؤال دفع المدير الفني للشركة للرد هذا العام في مؤتمر Black Hat، أحد أشهر وأهم المؤتمرات العالمية المتخصصة في أمن المعلومات والأمن السيبراني، حيث قال إن الغرض من طرحه هو أن Anthropic هي “أول من اكتشف نقاط الضعف قبل أن يكتشفها الأعداء”، وبالتالي فإن هدفها المعلن هو “الدفاع الاستباقي”.
لكن البنوك تستخدم حاليًا “Methos” ضمن بيئة خاضعة للرقابة ومحدودة بحيث تكون “مدقق السلامة”. حاليًا يقوم بمهاجمة البنك واكتشاف نقاط الضعف وبعد ذلك يقوم المبرمجون بإغلاقها. وهذا ما يسمى بعملية التطعيم الرقمي، حيث يتم استخدام الفيروس لصنع اللقاح.
عصر جديد من “السيادة الرقمية”.
ويرى الخبراء أن ظهور «ميثوس» ليس مجرد حدث تقني عابر، بل هو إيذان بنهاية عصر «الأمن من خلال الغموض»، على حد تعبيرهم. لم يعد يكفي إخفاء الرمز الخاص بك لتكون آمنًا. في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح كل شيء شفافًا وسهل القراءة.
لذلك، يؤكد مراقبون أن الرعب الذي تعيشه البنوك نابع من أن «ميثوس» كشفت ضعف الأنظمة الرقمية التي تتعقب أنظمتها، لكنها في الوقت نفسه أعطتها الفرصة الأخيرة لتعزيز نفسها.
لكن الخوف اليوم لن يتمثل في نماذج جديدة، بل من فوات الأوان في إدراك أن قواعد الحماية التي اعتادت عليها البنوك كأنظمة حماية قد اختفت، لتحل محلها أنظمة جديدة ابتكرها الذكاء الاصطناعي وبتعقيد برمجي، يجعل عدم معرفتها من الصعب السيطرة عليها مستقبلا.



