نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يعمل بشكل طبيعي مع الناس

كشف مختبر Thinking Machines Lab عن بحث لنظام جديد يسمى (نماذج التفاعل)، يهدف إلى إعادة تشكيل طريقة تفاعل البشر مع روبوتات الدردشة وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والانتقال من طريقة الأوامر النصية التقليدية إلى تجربة اتصال حية ومتزامنة تشبه المحادثات البشرية.
وترى الشركة أن النماذج الحالية، رغم التطور الكبير الذي حققته في الفهم والتوليد، لا تزال تعمل ضمن إطار تفاعلي محدود يعتمد على تبادل الأدوار الصارم، حيث ينتظر المستخدم حتى ينتهي النموذج من الاستجابة، بينما ينتظر النموذج بدوره أن يكمل المستخدم كل كلامه أو كتابته قبل البدء في الرد.
وبحسب البحث، فإن هذه الطريقة تخلق ما تصفه الشركة بـ “عنق الزجاجة في التفاعل” لأن التفاعل يتحول إلى مجموعة منفصلة من الأوامر بدلاً من حوار حي ومستمر يسمح للطرفين بالتواصل الفوري والتغيير المستمر أثناء المحادثة.
التواصل بشكل أكثر إنسانية
ويظهر البحث أن معظم شركات الذكاء الاصطناعي تركز حاليًا على تطوير أنظمة يمكنها أداء المهام بشكل مستقل ومستقل (Agentic Models)، في حين يُنظر إلى التفاعل البشري فقط على أنه واجهة مستخدم ثانوية.
إلا أن الشركة ترى أنه في معظم الأعمال الواقعية لا يستطيع المستخدم تحديد جميع المتطلبات منذ البداية ثم الانسحاب من العملية بشكل كامل، بل يحتاج إلى التواجد الدائم للإنسان في دائرة التفاعل لتوضيح النية وتقديم التغذية الراجعة وضبط التدفق أثناء التنفيذ.
ولهذا السبب، يعتقد Thinking Machines Lab أن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يعتمد فقط على زيادة قوة التفكير لدى النماذج، بل سيعتمد أيضًا على تطوير أساليب أكثر طبيعية ومرونة للتعاون بين الإنسان والآلة.
وبحسب الدراسة، فإن الأشخاص لا يتواصلون مع بعضهم البعض من خلال تبادل رسائل منفصلة ومنظمة بشكل صارم، بل من خلال محادثات تشمل المقاطعات والتعليق والتصحيح المؤقت والإشارات البصرية والسمعية والتفاعل المتزامن.
ولذلك، صُمم النظام الجديد ليحاكي هذه الطبيعة البشرية في التواصل، بحيث يتمكن الذكاء الاصطناعي من الاستماع والرؤية والتحدث والتواصل في الوقت نفسه، بدلاً من مجرد انتظار انتهاء الطرف الآخر من التحدث.
كيف يعمل نموذج التفاعل الجديد؟
يعتمد المشروع على نموذج تفاعل يراعي الوقت ويمكنه التعامل مع المحادثة كتدفق مستمر ومتزامن للصوت والفيديو والنص، وليس كسلسلة من الأوامر المنفصلة.
في النماذج التقليدية، لم يعد النظام يتلقى معلومات جديدة أثناء توليد الاستجابة، ويجمد وعيه بالسياق حتى يستجيب، أو تتم مقاطعته يدويًا، بينما في حالة نموذج التفاعل الجديد للشركة، يستمر النظام في تلقي المعلومات وتحليلها أثناء التحدث، ويمكنه تكييف استجاباته في الوقت الفعلي بناءً على أي تغييرات في الحوار أو السياق.
وتقول الشركة إن النظام الجديد يمكنه فهم ما إذا كان المستخدم لا يزال يفكر أو انتهى من التحدث، وكذلك التعرف على لحظات التردد أو التصحيح الذاتي أثناء التحدث والتدخل تلقائيًا إذا استدعى السياق ذلك.
كما يدعم النموذج التحدث والاستماع المتزامنين، مما يسمح بالترجمة الفورية المباشرة أو تصحيح النطق مع استمرار المستخدم في التحدث، بالإضافة إلى إمكانية التعليق الفوري أثناء عرض المحتوى المرئي أو متابعة الإشارات المرئية دون الحاجة إلى أوامر صريحة.
وتؤكد الشركة أن هذه القدرات ليست إضافات خارجية، بل هي مكون متكامل داخل النموذج نفسه، أي أن جودة التفاعل ستتحسن تلقائيًا مع تطور القدرات الأساسية للنموذج.
ولتحقيق هذا المستوى من التفاعل الفوري، طورت الشركة بنية تعتمد على ما يسمونه المنعطفات الدقيقة، وهي عبارة عن وحدات زمنية قصيرة جدًا تبلغ حوالي 200 مللي ثانية فقط. بدلاً من انتظار انتهاء الجملة أو الفقرة بأكملها، يقوم النظام بمعالجة المدخلات وينتج استجابات في وقت واحد وبشكل مستمر خلال فترات زمنية صغيرة جدًا، مما يسمح بالتفاعل في الوقت الفعلي تقريبًا.
ويظهر البحث أن كل نافذة زمنية تتضمن معالجة جزء من الصوت أو الفيديو أو النص الوارد، وتوليد جزء من النص أو الاستجابة الصوتية، والتحديث المستمر لسياق المحادثة ومراقبة أي تغييرات زمنية في سلوك المستخدم أو استجاباته أو السياق الذي يقدمه للنموذج على شكل محتوى نصي أو رسومي أو صوتي.
وتشير الشركة إلى أن الفرضية الأساسية للنظام كانت بناء نموذج قادر على التعامل مع الصوت والفيديو كوسائط تفاعلية فورية بطبيعتها، لأن المحادثات المباشرة لا يمكنها تحمل التأخير الطويل المرتبط بمعالجة النصوص وحدها.
لذا صممت الشركة بنية متعددة الوسائط تسمح للنظام باستقبال أي مجموعة من النصوص والصوت والفيديو والصور، مع القدرة على إنتاج استجابات صوتية ونصية في وقت واحد.
كما توصل البحث إلى أن الشركة تجنبت استخدام أنظمة تشفير ضخمة ومنفصلة للصوت والفيديو، كما يحدث في عدد كبير من النماذج الحالية، واعتمدت بدلاً من ذلك على المعالجة المباشرة والخفيفة نسبياً للبيانات الصوتية والمرئية داخل النموذج نفسه، مما يساعد على تقليل وقت الاستجابة وتحسين سلاسة التفاعل.
ويعتمد النظام أيضًا على بنية مزدوجة تجمع بين النموذج التفاعلي المباشر المسؤول عن الاستماع والمشاهدة والاستجابة الفورية، والنموذج الخلفي غير المتزامن الذي يتعامل مع عمليات التفكير المعقدة باستخدام الأدوات وأداء المهام طويلة المدى.
عندما يطلب المستخدم مهمة تتطلب تحليلًا أعمق يمكن إجراؤه على الفور، يقوم النموذج التفاعلي بنقل المهمة إلى النموذج الخلفي، مع استمرار التفاعل الطبيعي مع المستخدم دون انقطاع، ثم يعيد دمج النتائج في الحوار بمجرد أن تصبح جاهزة، بطريقة سلسة تتوافق مع السياق الحالي.
وتعتقد الشركة أن هذا التصميم يسمح بالجمع بين الاستجابة السريعة والتفكير المتقدم في نفس الوقت.
إمكانيات جديدة تماما
ويظهر البحث أن دمج التفاعل داخل النموذج نفسه يفتح الباب أمام مجموعة واسعة من الإمكانيات الجديدة التي يصعب تحقيقها من خلال الأنظمة التقليدية التي تعتمد على أدوات إدارة الحوار الخارجي.
يمكن للنظام إجراء عمليات بحث أو استدعاء الأدوات أو إنشاء واجهات تفاعلية أثناء تقدم المحادثة، والاستجابة بشكل استباقي لما يراه أو يسمعه، وليس فقط بعد انتهاء المستخدم من التحدث.
وفي أحد الأمثلة التي استعرضتها الشركة، يستطيع النظام تحذير المستخدم بشكل فوري عند ارتكاب خطأ برمجي يظهر على الشاشة، أو تصحيح نطق كلمة أثناء التحدث، أو مراقبة أداء تمرين ما وحساب التكرارات في الوقت الفعلي.
ويشير البحث إلى أن تحقيق هذا المستوى من التفاعل المباشر يتطلب إعادة تصميم كاملة لبنية الاستدلال للنموذج.
يعالج النظام تدفقات بيانات صغيرة ومتكررة كل 200 مللي ثانية، وهو ما لا يتم دعمه بكفاءة من خلال مكتبات التحكم النموذجية التقليدية. ولهذا قامت الشركة بتطوير ما تصفه بـ (جلسات البث المباشر). وهي عبارة عن جلسات تدفق مستمرة تسمح بتخزين التسلسلات التفاعلية في ذاكرة وحدات معالجة الرسومات دون الحاجة إلى إعادة بناء البيانات مع كل دفعة جديدة، مما يقلل وقت الاستجابة ويحسن استقرار الأداء.
قامت الشركة أيضًا بإجراء تحسينات على نوى المعالجة والتوازي داخل البنية التحتية للنظام لتحقيق استجابة منخفضة الكمون يمكنها التعامل مع المكالمات ثنائية الاتجاه في الوقت الفعلي.
فيما يتعلق بالأمن، يقول Thinking Machines Lab أن التفاعل الفوري والمستمر يطرح تحديات مختلفة تمامًا عن المحادثات النصية التقليدية. ولذلك، ركزت الأبحاث على تطوير آليات رفض الأصوات الطبيعية عند التعامل مع الطلبات المحظورة، مع الحفاظ على نفس الصرامة عند تطبيق السياسات.
استخدمت الشركة أيضًا بيانات التدريب التي تم إنشاؤها آليًا لمحاكاة المحادثات الطويلة ومتعددة الأدوار لتحسين قدرة النموذج على الحفاظ على سلوك آمن ومتسق أثناء التفاعلات طويلة المدى.
“الأداء الذي يتفوق على المنافسين”
وعرضت الشركة نتائج الاختبارات المقارنة بين نموذجها (TML-Interaction-Small) وعدد من أنظمة الدردشة التفاعلية الحالية من شركات مثل OpenAI وGoogle وAlibaba، مشيرة إلى أن نموذجها حقق أداءً متقدماً في سرعة الاستجابة وجودة التفاعل في الوقت الفعلي ومعالجة المقاطعات والإشارات المرئية والصوتية.
قدمت الشركة أيضًا اختبارات داخلية جديدة لقياس القدرات مثل توقيت الاستجابة الدقيق، والاستجابة للإشارات الصوتية أثناء الكلام، وتتبع الأحداث المرئية المباشرة، وهي المجالات التي تعتقد الشركة أن الأنظمة الحالية لا تزال محدودة فيها بشكل كبير.
وعلى الرغم من النتائج التي تصفها الشركة بأنها واعدة، إلا أن البحث يشير إلى عدد من التحديات التي لا تزال قائمة، بما في ذلك الحاجة إلى اتصال إنترنت مستقر وسريع جدًا؛ ونظرًا للاعتماد على البث المستمر للصوت والفيديو، بالإضافة إلى تعقيد إدارة الجلسات الطويلة، يؤدي ذلك إلى تراكم كميات هائلة من السياق داخل النظام.
كما أشارت الشركة إلى أن النموذج الحالي يعتمد على هيكل ضخم يضم 276 مليار معلمة، يتم تنشيط 12 مليار منها فقط أثناء التشغيل، وأنها تعمل حاليًا على تطوير نماذج أكبر وأكثر كفاءة يمكنها تقديم نفس مستوى التفاعل مع تقليل وقت الاستجابة والمتطلبات التشغيلية.
ويخطط Thinking Machines Lab لإطلاق معاينة بحثية محدودة في الأشهر المقبلة بهدف جمع التعليقات من الباحثين والمستخدمين قبل توسيع نطاق توفر التكنولوجيا في وقت لاحق من هذا العام. وتشير إلى أنها تعتبر “التفاعل” أحد المحاور الأساسية في مستقبل الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد طبقة إضافية فوق النماذج الحالية.



