تكنولوجيا

هل اقتربنا من سيناريوهات انفجار الذكاء الاصطناعي؟ | تكنولوجيا

لقد تطور الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تستخدم في الترجمة وإعداد النصوص وتحليل البيانات إلى قوة ناشئة تدفع نفسها نحو التكنولوجيا والصناعة والطب وحتى الإعلام والسياسة وبرامج الأمن.

ولم يعد النقاش الحالي يتناول قضايا الذكاء الاصطناعي وقدرته على أداء المهام التقليدية، وهي ترجمة البيانات وتحليلها وتلخيص النصوص. وبدلا من ذلك، تم التركيز على فرضيات مفادها أن هذا المجال سيدخل مرحلة “الانفجار الذاتي”، أي أنه سيعيد برمجة نفسه من خلال تطوير خوارزميات جديدة، دون الاعتماد على مبرمج بشري.

اقرأ أيضا

قائمة من 2 العناصرنهاية القائمة

وفيما يتعلق بالأبحاث والتقارير التي تناقش فرضية الذكاء الاصطناعي ودخوله قريباً في مرحلة جديدة تتيح له أن يصبح كياناً مستقلاً قادراً على إعادة تصميم نفسه، نشر الموقع الإلكتروني لمركز الجزيرة للدراسات مقالاً بحثياً بعنوان “الذكاء الاصطناعي وإعادة البرمجة الذاتية: سيناريوهات الانفجار الذكي”.

وناقشت الورقة البحثية – التي أعدها الدكتور خالد وليد محمود، رئيس قسم الإعلام والاتصال بمعهد الدوحة للدراسات العليا – جذور فرضية الانفجار الذكي للذكاء الاصطناعي، ومن يتحكم في هذه القوة، ومشكلة الاستقلالية والاعتماد على الذات.

اقرأ رسالة "الذكاء الاصطناعي الذكاء الاصطناعي"يُظهر هذا الرسم التوضيحي، الذي تم التقاطه في 27 يناير 2025، لوحة مفاتيح وأيدي الروبوت. رويترز / دادو روفيك / التوضيح
أبحاث تقول إن الذكاء الاصطناعي سيدخل مرحلة الانفجار الذكي بحلول عام 2027 (رويترز)

فكرة الانفجار الذكي وجذورها

في أبريل 2025، نشر مشروع “مستقبل الذكاء الاصطناعي” تقريرا رسم صورة مذهلة للذكاء الاصطناعي، ذكر فيه أنه خلال عامين سيكون قادرا على لعب دور المهندس، كما يمكن الاعتماد عليه في إعادة تصميم بنيته الداخلية.

وقد ردت وسائل الإعلام العالمية على هذا التقرير، كما أشارت مجلة “ذا نيويوركر”. طريقان متباينان لمستقبل الذكاء الاصطناعي:

  • الأول: من المحتمل أن يكون لديه مستقبل يتفوق على الإنسان في جميع المجالات.
  • وأما الاحتمال الثاني: ويعتقد أن التحول لن يكون سريعا، بسبب الاعتماد على الموارد المحدودة وتأخر الحكم.

وفي حين وصفت بعض وسائل الإعلام العالمية هذه التقارير والدراسات بأنها تبقى في سياق فرضيات مثيرة للجدل، فإنها دعت إلى صياغة سياسات استباقية للتعامل مع إمكانية التنمية بما يتجاوز التدخل البشري.

يعود مفهوم “الانفجار الذكي” إلى عام 1965، عندما اكتشف عالم الرياضيات البريطاني آي جي. كتب جيد (Ij good) مقالاً بعنوان: ‘تخمينات حول أول آلة فائقة الذكاء’، تنبأ فيه بأن أول آلة فائقة الذكاء ستتمكن من تحسين تصميمها الذاتي بشكل مستمر حتى تصل إلى مرحلة يصعب على الإنسان اللحاق بها.

وتبين أن هذا الرأي الذي بدا في ذلك الوقت أقرب إلى الخيال العلمي أو التكهنات الفلسفية، تطور فيما بعد إلى فرضية مركزية في الأدبيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والفلسفة العقلية، متجاوزا نطاق المناقشات الأكاديمية والتركيز على مجالات التطبيق والممارسة الفعلية.

وعلى غرار فكرة العالم البريطاني، قام الفيلسوف السويدي نيك بوستروم بتطويرها بشكل منهجي في كتابه: “الذكاء الفائق: المسارات، المخاطر، الاستراتيجيات”، الذي وضع فيه سيناريوهات مفصلة للانفجار الذكي، محذرا من أن اللحظة التي يتحقق فيها الذكاء الفائق قد تكون أسوأ ما تواجهه البشرية.

من ناحية أخرى، انتقد الباحثون – مثل غاري ماركوس وأرفيند نارايانان – بشدة فكرة الانفجار الذكي، حيث يتجاهل الحديث عن القفزة المفاجئة إلى الذكاء الفائق القيود التقنية والمادية الصارمة التي تحكم تطوير الخوارزميات.

ويرى هذا الفريق أن الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن مدى قدرته، سيستمر في الاعتماد على البيانات والمعالجات المادية، ولا يمكن فصله عن القيود البشرية على الطاقة والموارد والتكاليف.

على المستوى العملي، أصبح «الذكاء الفائق» جزءًا من استراتيجيات الحكومات الكبرى. تتعامل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي مع هذه الأفكار باعتبارها سيناريو واقعيًا لا مفر منه يجب الاستعداد له، وليس كقصة خيال علمي أو أفكار فلسفية.

مشكلة الاستقلال

على الرغم من الإشارات القوية التي تشير إلى فرضية الانفجار الذاتي للذكاء الاصطناعي، إلا أن العصر الحالي يظهر أنه لا يزال من الضروري الاعتماد على البشر، وأن الأنظمة الذكية لا تزال غير قادرة على الاعتماد على نفسها.

إن نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدما اليوم، مثل “ChatGPT” و”Gemini” و”Claude”، تعمل جميعها في إطار بنية تحتية بشرية كبيرة ومعقدة بشكل مذهل، حيث تتطلب ملايين المعالجات الفائقة الموزعة في مراكز البيانات العالمية، والتي تستهلك وحدها طاقة كهربائية تعادل استهلاك المدن الصغيرة أو حتى المتوسطة الحجم.

بالإضافة إلى ذلك، تعتمد هذه الأنظمة على شبكات إنترنت عالية الكفاءة، وأنظمة تبريد ضخمة للحفاظ على استقرار المعدات والموارد اللوجستية، وسلسلة طويلة من الخبراء والمهندسين الذين يشرفون على كل التفاصيل ويشرفون وينظمون ويتدخلون.

ورغم كل ذلك، يقول الباحثون إن المؤشرات تثبت وجود ميزات قدرات إعادة البرمجة الذاتية، حيث ظهرت برامج يمكنها تغيير بنيتها الداخلية وتوليد خوارزميات وأكواد جديدة لتحسين الأداء.

وعليه، يمكن القول إن العالم أمام مفارقة ملفتة للنظر: الأنظمة الحالية قوية وقد فاقت توقعات العقد الماضي، لكنها في الوقت نفسه لا تزال هشة ومعتمدة بشكل كامل على الإنسان.

من لديه ذكاء فائق؟

واستنادا إلى فرضية مفادها أن النظام القادر على تطوير نفسه قد ظهر بالفعل، فإن المشكلة الجيوسياسية ستزيد من تعقيد الذكاء الاصطناعي الفائق.

ومن سيسيطر على هذا النظام؟ فهل ستكون الولايات المتحدة هي التي تسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتمتلك رأس المال الثقافي والمالي من خلال شبكات وادي السيليكون؟ أم أن الصين هي التي تراهن على التكامل العميق بين الدولة والجيش والشركات، وتستثمر مواردها الهائلة لتصبح الرائدة؟

وبدورها شرعت أوروبا في مسار تشريعي عام 2014 من خلال قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي، الذي فرض قواعد صارمة للشفافية والأمن والنزاهة.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، برزت استراتيجيات السيادة الرقمية التي اعتمدتها دولتا قطر والإمارات، في إدراك أن من يملك البيانات سيكون حاضرا على الساحة السياسية والعسكرية في المستقبل.

الأبعاد الأخلاقية والسيناريوهات المستقبلية

وفي سياق المخاوف، تطرح الأبعاد الأخلاقية لمسألة الذكاء الفائق، لأنه يمكن أن يتحول إلى صناديق سوداء لا يدرك فيها الناس ما يجري. إن ثورة الإنترنت التي غيرت مفهوم الزمان والمكان، لم تسلب الناس عقولهم أو تغير دورهم كفاعلين معرفيين. أما الذكاء الاصطناعي، بهذه الفرضيات والتنبؤات، فهو في طريقه ليحل محل العقل.

وفي هذا السياق الذي يشكل مخاطر وقيوداً على العقل البشري، بدأت الأمم المتحدة بمناقشة إمكانية إنشاء “معاهدة بشأن الذكاء الاصطناعي”، على غرار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، على أساس أن المخاطر لا تقتصر على دولة واحدة أو شركة واحدة، بل تؤثر على البشرية جمعاء.

وعن المستقبل، وهناك خيارات أهمها:

السيناريو المتفائل: والذي ينص على أن الذكاء الاصطناعي سيكون شريكا حقيقيا وليس مجرد أداة.

وأما السيناريو المتشائم: ويعتقد أنها ستتفوق على البشرية وتنافسها في سوق العمل وتقضي على ملايين الوظائف.

إن الثورة الحالية تتطلب من البشرية أن تفكر بجرأة أكبر في مواجهة الذكاء الاصطناعي، لأن التجارب التاريخية تشير إلى أن التحولات الكبرى لا تنتظر الناس حتى يستعدوا لها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى