تكنولوجيا

6 اختراعات حولت البشر إلى كائنات آلية

لم تخترق التكنولوجيا جميع جوانب حياتنا فحسب، بل أصبحت جزءًا منا بكل معنى الكلمة. ظهر مصطلح “السايبورغ” بمعنى دمج العنصر البشري مع جزء ميكانيكي أو إلكتروني ليصبح كائنًا آليًا حيًا. وهذا ما أعطى الإنسان مميزات وقدرات لم تكن موجودة حتى في أحلامه، وسنذكر الاختراعات الستة الرئيسية التي ساعدت في تحقيق ذلك.

حقيبة ظهر جيت

لطالما حلم الإنسان بالطيران مستقلاً في الهواء، وأول من تطلع إلى ذلك هو العالم المسلم عباس بن فرناس (810-887م).

الإمارات العربية المتحدة دبي 28 فبراير 2024، أول سباق للبدلات النفاثة في العالم
كانت الحقيبة الطائرة مقتصرة في السابق على أفلام الخيال العلمي وألعاب الفيديو (شترستوك)

ورغم أن هذه التقنية اقتصرت على أفلام الخيال العلمي وألعاب الفيديو، إلا أن أولها ظهر عام 2016 من قبل شركة Gravity Industries البريطانية. تعمل هذه الحقائب الطائرة بقوة تزيد عن ألف حصان من خلال مجموعة من المحركات النفاثة الصغيرة، مما يسمح لها بالتحليق بسرعة تزيد عن 85 ميلا في الساعة لمدة تزيد عن 10 دقائق والإقلاع عموديا لمسافة تصل إلى 2.2 ميل في الهواء.

ريتشارد براوننج هو مؤسس الشركة ورائد الاختبار الأول. وهو جندي سابق في مشاة البحرية الملكية البريطانية قبل أن يصبح أحد أبرز مخترعي تكنولوجيا حقائب الظهر النفاثة. أجرى اختبارات عسكرية على هذه التكنولوجيا واكتشف أنها يمكن أن تكون مفيدة في اختراق سفن العدو بسرعة وخفية. كما أجرى اختبارات على إمكانية استخدامه في عمليات الإنقاذ الصعبة.

عدسات الأشعة تحت الحمراء

ابتكر علماء الأعصاب وعلماء المواد في الصين عدسات لاصقة تسمح للناس برؤية الأشعة تحت الحمراء عن طريق تحويل ضوء الأشعة تحت الحمراء إلى ضوء مرئي. ورغم أن هذه التقنية كانت موجودة منذ فترة طويلة في نظارات الرؤية الليلية، إلا أنها أصبحت الآن متاحة بعدسات أصغر حجما ودون الحاجة إلى مصدر للطاقة. ولأن العدسات شفافة، يستطيع مرتديها رؤية الأشعة تحت الحمراء والضوء المرئي في نفس الوقت، على الرغم من أن الرؤية بالأشعة تحت الحمراء تبدو أكثر وضوحًا عندما تكون العيون مغلقة.

في المستقبل، يمكن تكييف هذه التكنولوجيا لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من عمى الألوان على رؤية الألوان خارج نطاقهم البصري المحدود - مصدر الصورة: Getty Images
تستخدم تقنية العدسات اللاصقة الجسيمات النانوية التي تمتص الأشعة تحت الحمراء وتحولها إلى أطوال موجية مرئية للعين (غيتي)

وقال تيان شيويه، الباحث الرئيسي وعالم الأعصاب من جامعة العلوم والتكنولوجيا الصينية: “يستكشف هذا الاختراع آفاقا جديدة للأجهزة غير الجراحية التي يمكن ارتداؤها والتي تمنح الناس رؤية متفوقة”.

وأضاف: “توجد حاليًا العديد من التطبيقات المحتملة لهذه المادة حيث يمكن استخدام ضوء الأشعة تحت الحمراء لنقل المعلومات في بيئات الأمن والإنقاذ والتشفير ومكافحة التزييف”.

تستخدم تقنية العدسات اللاصقة الجسيمات النانوية التي تمتص الأشعة تحت الحمراء وتحولها إلى أطوال موجية مرئية للعين البشرية. وفي المستقبل، يمكن تكييف هذه التكنولوجيا لمساعدة الأشخاص الذين يعانون من عمى الألوان على رؤية الألوان خارج مجال رؤيتهم المحدود.

أرجل روبوتية

أرجل الروبوت هي أجهزة يمكن ارتداؤها يتم وضعها حول الساقين والوركين لزيادة قوتك الطبيعية. وهي مجهزة بأجهزة استشعار يمكنها اكتشاف تحركاتك وتنشيط محركات المفاصل لتوفير قوة إضافية. يمكن لمرتديها ضبط مقدار القوة حسب الحاجة، حيث أن الوضع الأقصى يمكن أن يجعلك تشعر وكأنك بالكاد تمشي لأن الروبوت يقوم بذلك نيابة عنك.

تكتشف المستشعرات الموجودة في الهيكل الخارجي تحركاتك وتقوم بتنشيط المحركات في المفاصل لتوفير قوة إضافية - حقوق الصورة: dnsys
الأرجل الإلكترونية هي أجهزة يمكن ارتداؤها يتم وضعها حول ساقيك ووركيك لزيادة قوتك الطبيعية (DNS).

وقد ساعدت هذه التقنية بعض الأشخاص ذوي الإعاقة على المشي دون مساعدة، ويجري الآن تطويرها لعمال المستودعات لمساعدتهم على رفع ونقل الأحمال الثقيلة بشكل أكثر أمانًا. يمكن أيضًا استخدام هذه التقنية في التطبيقات اليومية، مثل مساعدة الأشخاص على المشي لمسافات أطول أو صعود السلالم التي قد تكون صعبة للغاية.

الإبهام الروبوتي

طور علماء في جامعة لندن جهازًا بسيطًا يشبه القفاز يمنح مرتديه إبهامًا آليًا يلتف حول المعصم ويثبت تحت الإصبع الصغير. ويمكن التحكم فيه عبر أجهزة استشعار مثبتة على إصبع القدم الكبير والتي ترسل إشارات لاسلكية بين المعصم والكاحل لتوليد الحركة.

وفي تجربة أجرتها دانييل كلود من جامعة كوليدج لندن وفريقها البحثي بهدف تعليم المشاركين طرقا جديدة وغير مألوفة للتعامل مع الأشياء، استخدم المشاركون الإبهام الإضافي لحمل فنجان قهوة بينما كانت أصابع اليد نفسها تحمل ملعقة لتحريك السكر، بينما استخدم آخرون الإبهام لتقليب صفحات كتاب في نفس اليد، وكان متوسط ​​استخدام الجهاز 3 ساعات يوميا.

ولرصد تأثير الإبهام على الدماغ، خضع المشاركون للتصوير بالرنين المغناطيسي قبل وبعد التجربة. وتوضح الباحثة بولينا كيليبا من نفس الفريق: “التكنولوجيا تتطور بسرعة، ولكن لا أحد يتساءل عما إذا كان الدماغ يستطيع التكيف مع هذا التطور”.

قام العلماء في جامعة كوليدج لندن مؤخرًا بتطوير جهاز يشبه القفاز يمنح مرتديه إبهامًا إضافيًا - حقوق الصورة: Dani Clode/UCL
على الرغم من أن الإبهام الإلكتروني ليس جزءًا من الجسم، إلا أن معظم الناس تمكنوا من التعامل معه بسرعة أثناء الاختبار (داني كلود/UCL)

وأظهرت النتائج أنه بعد فترة من الاستخدام، بدأ الدماغ بدمج تمثيلات الأصابع اليمنى. يحتوي كل إصبع من اليد على منطقة خاصة في الدماغ مسؤولة عن الإحساس والحركة بهذا الإصبع. عادة ما يتم فصل هذه المناطق بشكل واضح حتى يتمكن الدماغ من التمييز بين حركات كل إصبع على حدة. لكن في التجربة، بدأ الدماغ يرى أن الأصابع كانت تعمل كوحدة واحدة وليس كأصابع مستقلة. لكن بعد أسبوع أظهرت الاختبارات الجديدة أن هذا التأثير بدأ يختفي تدريجياً.

يقول جوناثان آيتكين من جامعة شيفيلد في بريطانيا، الذي اندهش من مدى سرعة تكيف المشاركين مع الإبهام الاصطناعي: “إن القدرة على دمج مثل هذا الجهاز غير المألوف – خاصة الذي يتم تشغيله بأصابع القدم – وتعلم استخدامه بسرعة أمر مذهل حقًا”.

وعلى الرغم من أن الإبهام الآلي ليس جزءًا من جسمنا الطبيعي، إلا أن معظم الأشخاص تمكنوا من استخدامه بسرعة أثناء الاختبار، حيث لم يتمكن سوى 4 من أصل 600 شخص تقريبًا من استخدامه.

إتقان التكنولوجيا من خلال التفكير

تعد تكنولوجيا التحكم في الفكر مجالًا واسعًا من الدراسة يهدف إلى تمكين الأشخاص من التحكم في الأجهزة الإلكترونية باستخدام الإشارات العصبية فقط. وتعمل هذه التقنية من خلال أجهزة استشعار مزروعة في الدماغ، وتحديداً في القشرة الدماغية المسؤولة عن الحركة، بالإضافة إلى أقطاب كهربائية متصلة بالذراع لتنفيذ أوامر الدماغ. تلتقط المستشعرات الإشارات العصبية المسؤولة عن الحركة بواسطة الكمبيوتر ويتم تحويلها إلى أوامر يمكنها التحكم في الأجهزة أو الأدوات الخارجية.

يمكن لتقنية واجهة التحكم في الدماغ أن تمكن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات التنكس العصبي من التحكم بشكل موثوق في بيئتهم - مصدر الصورة: جامعة كيس ويسترن ريزيرف
تهدف تكنولوجيا التحكم في الفكر إلى تمكين الأشخاص من التحكم في الأجهزة الإلكترونية باستخدام الإشارات العصبية فقط (جامعة ويسترن ريزيرف)

ولا تقتصر أهمية هذه التكنولوجيا على تحسين التفاعل مع الكمبيوتر فحسب، بل تمتد أيضًا إلى منح الأشخاص الذين يعانون من حالات عصبية مثل الشلل القدرة على التحكم في بيئتهم واستعادة بعض من استقلاليتهم.

حتى الآن، كان المتطوعون الذين يعانون من إصابات في النخاع الشوكي قادرين على تحريك مؤشر الفأرة ببساطة عن طريق التفكير في حركة أيديهم أو أذرعهم المشلولة. وستسمح الخطوة التالية في تطوير هذه التقنية للمستخدمين بالتحكم الدقيق في الأطراف الروبوتية، مما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن فيها للمرضى الذين يعانون من ضمور العضلات والأمراض العصبية الأخرى استعادة وظائفهم الحركية بشكل كامل.

زراعة القوقعة الصناعية الذكية

تعد زراعة القوقعة الصناعية الذكية اليوم نموذجًا حيًا للتكامل الوظيفي بين التكنولوجيا المتقدمة والجهاز العصبي البشري، لأنها ليست مجرد وسيلة مساعدة للسمع، ولكنها أصبحت أيضًا نظامًا عصبيًا إلكترونيًا معقدًا.

وعلى عكس أدوات السمع التقليدية التي تعمل فقط على تضخيم الصوت، تعتمد القوقعة الذكية على تجاوز المناطق المتضررة في الأذن الداخلية لإرسال إشارات كهربائية مباشرة إلى العصب السمعي، والذي يصفه باحثو الهندسة الحيوية بأنه “الواجهة العصبية الأكثر نجاحا في تاريخ الطب”.

تطلق Cochlear رصيد نظام زراعة القوقعة الصناعية الذكي الأول والوحيد في العالم: Cochlear
يعتمد عمل القوقعة الذكية على تجاوز الأجزاء التالفة من الأذن الداخلية، وإرسال نبضات كهربائية مباشرة إلى العصب السمعي (القوقعة).

تُظهر الأبحاث التي أجرتها الجمعية الأمريكية للنطق واللغة والسمع (ASHA) أن أجيال غرسات القوقعة الصناعية الذكية التي يتم إنتاجها حاليًا تتضمن تقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) القائمة على معالجة الإشارات في الوقت الفعلي. تسمح هذه التقنية للقوقعة بتمييز الكلام البشري عن الأصوات الخلفية المعقدة في البيئات الحقيقية، وذلك باستخدام خوارزميات التعلم العميق التي تضبط الصوت بناءً على سياق الصوت المحيط.

علاوة على ذلك، يوضح تقرير صادر عن المعهد الوطني للصمم واضطرابات التواصل الأخرى (NIDCD) أن التطور الأساسي لهذه الأجهزة يكمن في “المرونة العصبية”، حيث أثبتت فحوصات الرنين المغناطيسي الوظيفي أن أدمغة المستخدمين تمكنت من إعادة تشكيل خرائطهم السمعية لتفسير هذه الإشارات الكهربائية المعقدة بشكل طبيعي، مما يجعل الجهاز “امتدادًا عضويًا” وليس مجرد ملحق خارجي.

بين الخيال والواقع

وفي نهاية المطاف، تواجه هذه الابتكارات الإنسان بحقيقة لا يمكن إنكارها وهي أنه لا يقوم بتطوير أدوات خارجية فحسب، بل يعيد تصميم كائنه البيولوجي أيضًا. يمنحه هذا التحول قدرات كانت مستحيلة في الخيال العلمي، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات أخلاقية وقانونية غير مسبوقة فيما يتعلق بطبيعة «الذات» وحدود التدخلات التقنية في جسم الإنسان.

وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف وخبير الذكاء الاصطناعي في جامعة أكسفورد، نيك بوستروم، أن المعضلة الحقيقية التي تواجه البشرية اليوم ليست القدرة التقنية على جعل الناس “أقوى” أو “أكثر ذكاء”، بل تكمن في الفجوة بين سرعة الابتكار والقدرة على التحكم في هذه التقنيات أخلاقيا.

وفي مقترحاته حول “تحسين الإنسان”، يؤكد بوستروم على ضرورة إخضاع كل تطور تقني لنظام قيمي صارم، لضمان بقاء مسار التنمية البشرية تحت السيطرة الواعية وعدم تحوله إلى سباق تقني مجرد يمكن أن يفقد فيه الناس جوهرهم تدريجيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى