ثقافة وفن

قصة قصيرة: الحفل الكريم

ضياء نجم الاسدي
رُتِّبت الكراسي على عجل، وعلا ضجيج السماعات أثناء محاولة اختبارها: “ألو، ألو…” كل شيء على ما يرام، لكن ضجيج السماعات ما زال يتعذر ضبطه. هرع عريف الحفل باديًا عليه الانفعال، و صاح بوجه الفني المسؤول عن الكهرباء والصوتيات، يريد منه أن يضبط كل شيء قبل أن يعتلي المنصة لتقديم الحفل.
الطلبة مسمَّرون في كراسيهم، بعضهم يكاد أن ينام. من كان في المؤخرة منهم يضحكون ويغنون بصوت خفيض. أحدهم كان يرقص ويهز كتفيه ويميل بجسمه البدين إلى حضن زميله، يهز بطنه و كتفيه و ردفيه من جلوس، فدفعه زميله وأوقعه على الأرض. نهض بسرعة وقد كشفت كنزته القصيرة عن بطنه، احمرَّ وجهه وأراد أن يلطم صاحبه، لكنه كفَّ بسرعة عندما جاء مرشد الصف مهرولا بعد سماع صوت اللغط.
دخل المدير ومعه المعاون، وحوله مجموعة من الأساتذة والكاتبة. العامل البدين أبو صفاء كان يقف وراء باب القاعة. يلف وجهه بكوفيته المزركشة بالأسود و الأبيض، ويعض بين الحين و الآخر على طرفها، و يطل مترددا من شباك الباب. يرمي بنظراته مباشرة إلى الطاولة التي وضعت عليها قناني البيبسي وقطع الكيك. أما العاملة أم عودة فقد دخلت القاعة متظاهرة أنها تريد ترتيب شرشف طاولة الطعام. نظرت بتفحص كأنها تريد جرد الموجودات كلها.استدارت بوجهها يمينا و شمالا وهي تراقب كغواص خرج حذرا لتوه من الماء.
كان الجميع منشغلين باستقبال المدير وحاشيته، والطلاب واقفون يصفقون، والصف الخلفي ما زالوا يتغامزون ويضحكون ويتدافعون. استلت أم عودة إحدى القناني ولفتها بثوبها الأسود الفضفاض، وخرجت مسرعة من باب القاعة يتبعها أبو صفاء الذي كان يلومها لأنها لم تسرق له قنينة.
فردت عليه: “وهل تحتاج إلى تعليم؟ دونك القاعة وكل ما فيها! أأنا الرجل أم أنت؟”
عاد أبو صفاء إلى الباب ليطل إطلالته المعهودة وهو يقول: “لا أمان لكن… نسوان!”
جلس المدير الذي كان يرتدي بزة جديدة بلون زيتوني غامق، وجلس بعده أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية. قام عريف الحفل ليعلن عن ترحيب الجميع ببعضهم البعض، وعن عزف السلام الوطني.
عُزف السلام فقام الجميع. الطلاب ما زالوا على حالهم بين نائم وضاحك ومشاكس، والمدير يفكر في إنزال بعض العقوبات بالمدرسين الذين تغيبوا عن الخفارة، وعن حضور الاجتماعات الحزبية. والمدرسون يفكرون بالعلاوات وبالسوق المشتعل. ينتظرون جرس انتهاء الدوام بصبر أفرغ من صبر التلاميذ.
صفق الجميع، ودار المدير بنظراته على الحاضرين ليرى إن كان أحد من المدرسين لم يصفق بحرارة. قدم عريف الحفل تلاوة من القرآن الكريم، قُرئت فيها آيات ابتدأتها: “مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ…”
لم يكن عريف الحفل -معاذ الله- يريد نفاق المدير الذي اسمه محمد، ولكن الله قدَّر أن يحدث ذلك. فالبلاد مقبلة على عيد ميلاد قائدها الملهم و زعيمها الضيغم، والطلبة مبتهجون بكون عامهم الدراسي قد أشرف على الانتهاء دون أن يكملوا مواد الدراسة. بدت النوايا كلها حسنة، بما في ذلك نية أبي صفاء الذي لم تختف نظراته المتوثبة من شباك باب القاعة.
بعد القرآن الكريم تتالت الفقرات التي حرص عريف الحفل على أن يضمنها الشعر والحكمة والأمثال، وكل ما يمكن أن يقتل به الوقت. والطلاب مستغرقون في أحوالهم.
جاءت كلمة المدير في آخر الفقرات، كنهاية لعذاب استطال. شكر الجميع وجهودهم في رعاية الحفل الذي ما أُعدَّ إلا لخدمة أبنائه الطلبة والوطن والأمة والأجيال. وانتهز الفرصة ليرفع ما يجب رفعه إلى مقام القائد، راعي مسيرة العلم والفضيلة، و ليعاهده على أن يبقى هو وطلبته جنودًا أوفياء رهن الإشارة، فما فائدة العلم والأمة مهددة و الخطر داهم.
حرص على أن يشجع مواهب أبنائه الطلاب، وحثهم على المزيد من المثابرة. ولم يفته أن ينتهز الفرصة ويذكر زملاءه بموعد الخفارة القادمة، وأن يستدعي الغائبين عن الخفارة الأخيرة إلى الاستجواب.
ثم نودي على أحد الطلبة الذين تأخروا عن دفع بدل الاشتراك، فكيلت له الشتائم والتهديد والوعيد أمام الحفل الكريم، وتوعدت الإدارة جميع أبنائهم الطلبة الحاضرين بمستقبل مظلم وأيام سود عجاف إن خطر في روعهم فعل ذلك. أو توهم أحدهم في التأخر عن دفع التبرعات أو تلبية رغبات الإدارة التي ما هي إلا رغبات القائد و الوطن والأمة. وأخيرًا تمنى للجميع التوفيق، واستدرك: “أرجو من لجنة الاحتفال جمع تبرعات الحفل من أعزائنا الطلبة قبل انصرافهم.”
صفق الجميع. اقترب مساعد المدير منه وهو يصفق بحرارة. وابتسم معلنًا عن نجاح الحفل وتحقيقه للطموحات المرجوة، وفرش ذراعيه أمام المدير ليبدأ الأخير مسيرته إلى غرفة الإدارة، والمعلمون من خلفه. كانت سماعة الحفل قد تركت مفتوحة فصدر منها ضجيج عال يشبه جلبة قطيع يقاد إلى الحضيرة.
و قبل أن يجتاز المدير طاولة الطعام، نادى على أبي صفاء قائلًا: “أبو صفاء! تعال، خذ الكيك والبيبسي إلى غرفة الإدارة.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى