ثلاثة فتيان غرباء في البلاد الغريبة*

نجم والي
كان الفتيان الثلاثة هم الطيبة ومنطلق الفرح والجمال في كِلْواذة، ما أن يخرجوا للشارع، ما أن يمروا بمقهى الغاوون، أو ما أن يغادروا البناية الصينية، إلا ونقلوا عدوى مزاجهم الراقي لبقية الناس من سكان الحي، كانوا بمثابة الحجر الذي يُلقى به في البركة، والمحرك الذي يطلق موجاته في الحي كله وعلى امتداد تخومه، من ساحة كهرمانة، عبر الشارع الرئيس الذي يشق قلب كِلْواذة، إلى تخوم الجادرية، إلى المسبح والعرصات، بل وحتى الجسر الحديدي الذي يعبر عبر تلك المنطقة التي أطلقوا عليها المنطقة الخضراء (أو الخرباء، على حد قول صديقنا الشاعر مراد)، وكانوا حريصين على تلبية نداء كل معروف.
كان راتب أمير بدران قليلاً، وأقل منه الأجر الذي يحصل عليه نعمان يانصيب من الفندق، أما رسول فلا يتذكرون إنه جاء يوماً ونقود في جيبه، كما يبدو أن كل ما يكسبه (هذا إن كان يعمل بالفعل)، ينفقه على نفسه، إن لم يمر يومه كله وهو يتضور جوعاً. وفي لحظات يأسهم، وهي لا تُعد وتُحصى، فكروا (حلموا) برواتبهم المتراكمة التي لم يستلمونها في فترة تطوعهم، في الجيش (أمير بدران) أو في الحشد (رسول) أو في البيشمركة (نعمان)، وحسب ما يسمعه الثلاثة من الراديو وما يقرأونه صدفة في الصحف، أو ما يسمعونه في المقاهي، إذ تدور الشائعات، يسمع الثلاثة الذين يتقاسمون مائدة يأس واحدة، الحديث دائماً، إن الحكومة ستدفع رواتب الجنود ومتطوعي الحشد (بل وحتى البيشمركة) التي يستحقونها، والتي لسبب لا يعرف حتى الله به لماذا لم تُصرف لهم، وهي حقهم الطبيعي. المشكلة الأكبر هي الأسعار التي ارتفعت في ذلك الوقت، لم يعد من السهل عليهم شراء المواد الغذائية، وهذا ما يشعرون به كلما اشتروا رغيف خبز يومياً، المستحقات لم تُدفع، على العكس، هناك إشاعات تدور أن الشرطة الاتحادية أو قوات الرد السريع في مناطق الجنوب والعاصمة (وقوات الأسايش في مناطق كوردستان)، بل وربما تلك الفرقة التي يطلقون عليها بالذهبية، تطارد الهاربين من الجيش والحشد والبيشمركة، تبحث عنهم لاعتقالهم، تتهمهم بالخيانة، لدرجة أن بعض المسؤولين الذين يخرجون على شاشة التلفزيون، يدعون، أن أغلب هؤلاء الهاربين من الموصل بعد دخول داعش، هربوا بأسلحتهم، قد باعوها في السوق السوداء، هراء في هراء طبعاً، الجميع يعرف، أن المقاتلين الذين هربوا، هربوا بملابسهم فقط، لكي ينقذوا جلدهم من الموت، وأن زعماء المليشيات والجنرالات المزيفيين بنياشينهم وكروشهم الكبيرة، كانوا يفرغون المخازن من الأسلحة ويبيعونها للإرهابيين ذاتهم، وأن تصريحاتهم الكاذبة هي غطاء يسهل لهم التنصل من المسؤولية، والاحتفاظ بالغنيمة في جيوبهم. ها هم الرفاق الثلاثة يجلسون من دون مال أو دخل بسيط، كل شيء صعب، في وسائل النقل العام تسيطر الفوضى، والتجهيزات العامة من المواد الغذائية أو الحصة التموينية في فوضى ما بعدها فوضى. أغلب الناس البسطاء يحاولون تدبير لقمة عيشهم بشكل من الأشكال. إنهم يتحينون صيد الفرص، كل واحد لديه معارف في دائرة حكومية، في وزارة ما، والذي هو الآخر من طرفه يعرف شخصاً آخراً، يحصل ولو على شيء قليل من الغنيمة، على الأقل لما يسد به رمقه ورمق أسرته. تقدم الناس المشورة لبعضها بعض، إنها أزمان صعبة، الرفاق الثلاثة يعرفون ذلك، أغلب الذين يعرفونهم، يشكون من صعوبة الحياة، حتى المتعلمين منهم، ومن أصحاب الشهادات، بل حتى بعض من معارفهم أو اصدقائهم أولئك الذين يعرفونهم من جلوسهم في مقاهيهم المفضلة (مقهى الغاوون مثلاً) أولئك الذين يطلقون على أنفسهم، مثقفين، فلاسفة وشعراء، فنانين وكتّاب، كلهم يشكون من جور الحياة، (صديقهم الشاعر مراد، أحدهم)، ومن يسمع أحاديث الرجال التي تدور في مقاهي كِلْواذة، لن يشك بأن الجميع أصبحوا أصحاب خبرة، حتى النساء، أصبحت أحاديثها تشبه أحاديث الخبراء الذين يحتلون شاشات الفضائيات ليل نهار، نعم، كلمات مثل استراتيجية، وتكتيك، وديناميكية، وسلوشينز، وجالنج، وغيرها من المصطلحات سيطرت على قاموس الناس.
في زحمة هذه الفوضى، ليس من السهل الانتقال للسكن في بيت، كيف سيعثرون على بيت، شقة، سقف بإيجار رخيص؟ لكنهم وكلما تساءلوا بذلك، كلما فكروا ببيت أو مأوى، برزت أمامهم هذه المرة صورة البيت، المخزن، السقف، عند مرآب البناية الصينية.
المأوى الصغير يقع في الصحن الخلفي، أو الأمامي حسب الجهة التي يأتي منها المرء، لأن الباب الرئيس للبناية صمم عند الجهة الأخرى من الشارع الرئيس، بمواجهة الشقة الأرضية التي أقام فيها صديقنا الشاعر مراد، ولم يروه في البداية لأنهم حينما ساعدوا الأرملة أطياف بمجلس الفاتحة، دخلوا عليها من الباب الرئيس المطل على الشارع الموازي، ولأن كل واحد يقدم المشورة للآخر في فراديس كلْواذة، فهو صديقنا (وصديقهم أيضاً) الشاعر مراد الذي اقترح على الرأس المدبر للجماعة، أمير بدران، السكن هناك، في أحد لقاءاتهما في مقهى الغاوون، وسمع منه ما يشغل باله في تلك الأيام. يعوزكم سكن؟ سأله مراد، وهو ينفخ دخان سيجارته إلى الأعلى مثل إمبراطور، ويشرد باله على عادته قليلاً، كما لو فكر بمسألة عظيمة، لكن حلها سهل، سيجده مباشرة، لماذا لا ينتقلان للسكن في البيت المجاور للمرآب في البناية الصينية؟ قال مراد لأمير، بالتأكيد ستفرح بكم أطياف، إنها إمرأة طيبة، وستجد بكم عوناً لها كرجال، ألم تساعدونها في مجلس الفاتحة، وإذا شئتم أنا من سيتحدث معها.
المأوى الصغير الذي تحدث عنه صديقنا الشاعر مراد، كان ذات يوم مخزناً صغيراً لأدوات البناء. منذ فترة طويلة اختفت مواد البناء أو سُرقت، لا يهم، الآن هو ومنذ أن أقامت أطياف وابنتها في البناية منذ عامين، تحول إلى مكان لركن الحاجات غير الضرورية، كل ما لا تحتاجه أطياف ولا يشتريه منها العتّاق، تضعه هنا، والذي احتوى علاوة على ذلك على غرفة بسيطة، لكن واسعة بمثابة استوديو يقود إليها سلم عالٍ. كانت هناك مدفأة نفطية أيضاً، ماركة أصلية، دجلة، كافية لتدفئتهم في فصل الشتاء، كما هناك نافذتان كبيرتان، للانتقال في نهاية شهر تشرين الأول (كما اتفقوا مع أطياف، لأنه في الصيف مرتاحين في سكنهم عند أبي نؤاس)، ساعدهم العتّاق بعربته، عرفوا أن اسمه رحيم، وهذه المرة ولكي يساعدهم اشترى كل ما لم يشتره قبل ذلك من أطياف. وكانت هي أكثر تحمساً منهم لكي ينتقلوا إلى هنا.
ما زالت الأرملة أطياف محافظة على شبابها، في نهاية الثلاثين من عمرها، على الرغم من متاعب الحياة في بلاد وادي الخرابين والتي تجعل الواحد يشيخ مبكراً، ولاسيما النساء وما يقع عليهن من عبء ومسؤولية، فقدت زوجها مبكراً، لا تريد العودة إلى أهلها، «نارك ولا جنة هلي»، هو شعارها على خطى أغنية قديمة لعفيفة اسكندر، قالت لهم ضاحكة، لدرجة أنها لم تخبر أسرتها بموت زوجها، لكي لا يطلبوا منها العودة، «مثلما تعرفون، أرملة مثلي، تكون عار على العائلة».كما أنها لا تنوي الزواج، لقد جربت مرة واحدة وانتهى يعني «كافي»، كما علقت، تريد التفرغ لتربية ابنتها كنار، حريصة على إرسالها للمدرسة، وهذا هو السبب أيضاً، الذي جعلها ترتاح لفكرة انتقال ثلاثة شبان للإقامة في البناية قريباً، لأن الإقامة مع بنت تقترب من سن المراهقة في هذه البناية الكبيرة لوحدها، وفي مثل أيامنا، مخاطرة لا تُعرف عواقبها، علاوة على ذلك، إنها عن طريق الإيجار البسيط الذي يدفعونه لها، على الرغم من أن البناية ليست ملكها، هذا ما قالته لهم بصراحة، يجعلها تطمئن قليلاً على تدبير أمر معيشتها وطفلتها، كنار تصنع من الورق المرمي في الشوارع والقمامة أكياساً نظيفة، نوع من التدوير الصناعي، يساعدها الرسّام سامي على رسم بعض الرسومات الجميلة عليها، مناظر طبيعية، وجوه، إلى بعض أبيات الشاعر مراد التي تطرزها على الورق أيضاً، وتبيعها على المحلات في كلْواذة، لكن المبلغ الذي تكسبه منها قليل.
أيضاً المبلغ الذي يدفعه لها سامي الرسام، الذي كان قد أجَّر إحدى الشقق غير المكتملة كأستوديو رسم، هو مبلغ رمزي بسيط. من وقت إلى آخر، تأخذ هي على عاتقها تنظيف مقهى الغاوون أو بعض الشقق، أو غسل ملابس بعض الأسر، لكن فقط الذين تثق بهم، الشاعر مراد مثلاً، لكن مرات يمر عليها أكثر من أسبوع، حتى شهور، وهي من دون دخل معروف. لا أحد يعرف ما يخبئه المستقبل، ممكن أن يظهر الصينيون في يوم ويطلبون منهم مغادرة البناية جميعاً، إذن انتقال الشباب، بمثابة هدية نزلت عليها من السماء، وهي تتركهم مع ضميرهم، يقررون حجم مبلغ الإيجار.
ذلك ما نقله عنها لهم مراد، وذلك ما سمعوه أيضاً من لسانها مباشرة، وإن بلغة بسيطة غير لغة صديقنا مراد، الفخمة (خصوصاً فيما يتعلق جملتها المتعلقة بالمستقبل التي قولهّا على لسانها مراد: بحق السماء وكل قوادين العالم وقحباته، هل يعرف أحد ما يخبئ المستقبل في بلاد وادي الخرابين التي تئن أصلاً تحت سياط العهر؟»)، أيضاً سمعوه منها وهي تبتسم لهم في يوم انتقالهم في اليوم الأول من تشرين الثاني.
على الرغم من أن المبلغ الذي كان في حوزتهم في ذلك الوقت، لم يكن كبيراً، مليون ديناراً فقط، ثلثه جاء من البخشيش الذي يحصل عليه نعمان يانصيب من زبائن الفندق، فيما جاء الثلثان الآخران من بيع بضعة حقائب جلدية ثمينة من الشركة العامة لصناعة الجلود، أهدتها مدام حمدية في فترات متباعدة لأمير، في تلك المرات التي شعرت فيها بمتعة أكبر بنومه معها… نقول على الرغم من ذلك كان الرفاق الثلاثة مطمئنين، أنهم أمنوا دفع الايجار للشتاء القادم، بل وفي الصيف إذا شاؤوا، فلِمَ لا، لقد اعتادوا على وجود سقف يأويهم، وفي فصل الصيف بإمكانهم شراء مروحة كبيرة لقضاء الليل فقط، لأن في ساعات الظهيرة أو العصر ممكن أن يلجأوا للجلوس إلى مقهى قريب. وفيما يخص الإيجار، طمأنوا أطياف، إنهم وكلما كسبوا مبلغاً جيداً، أو إذا حصل رسول على عمل، فإنهم لن يترددوا من رفع قسط الإيجار لها.
تلك هي كلْواذة. هي فراديس مشاعر متحولة أيضاً. حزن ينتهي. سعادة تبدأ. سعادة تنتهي. حزن يبدأ. وإنها مسألة وقت وسيكون كل شيء على ما يرام.
- فصل من رواية قيد الانجاز

