منوعات

أحلام مؤجلة وأجنة مفقودة.. الحرب تلاحق أمهات غزة

لم تكن سوسن تخطط للحمل خلال أشهر الحرب الأولى، فقد دفعتها ظروف النزوح والخوف وغياب الأمان إلى تأجيل فكرة الإنجاب، لكنها وزوجها قررا العودة إليها بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أملاً في بداية أكثر استقرارا.

تقول سوسن لموقع سكاي نيوز عربية: “اعتقدنا أن الظروف ستتحسن، وأننا سنتمكن من بناء حياة طبيعية، لكنني فقدت حملي مرتين. كل ما أتمناه أن يرزقني الله طفلًا آخر، وأن يرى محمد أخا أو أختا له”.

حالة سوسن تعكس معاناة متزايدة بين النساء الحوامل في قطاع غزة، حيث تشير بيانات وزارة الصحة إلى تسجيل أكثر من 30 حالة إجهاض يوميا، بزيادة تتجاوز أربعة أضعاف مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب، وسط تحذيرات طبية من تأثير الظروف الصحية والإنسانية القاسية على الحمل والولادة.

ولم تقتصر خسائر الحرب على فقدان الأجنة، إذ فقدت آلاف النساء حياتهن منذ بدايتها، من بينهن نساء حوامل حُرمن من فرصة إكمال حملهن أو رؤية أطفالهن، فيما تواجه آلاف الحوامل مخاطر متزايدة بسبب صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية ونقص الخدمات.

ويقول الدكتور محمد البشيتي، اختصاصي النساء والتوليد في مستشفى مبارك للولادة التابع لمجمع ناصر الطبي في خان يونس، إن الطواقم الطبية لاحظت ارتفاعا واضحا في أعداد حالات الإجهاض خلال الفترة الأخيرة، خصوصا بين النساء اللواتي يفقدن الحمل قبل الأسبوع العشرين.

ويشرح البشيتي أن الحرب خلقت عوامل خطورة جديدة، أبرزها تدهور ظروف النظافة العامة داخل مخيمات النزوح، ونقص المياه النظيفة، وضعف خدمات الصرف الصحي، إلى جانب سوء التغذية وغياب المتابعة الطبية المنتظمة.

ويضيف: “كثير من النساء يصلن إلى المستشفى بعد انقطاع طويل عن متابعة الحمل بسبب ظروف النزوح وصعوبة الوصول إلى المراكز الطبية، وهذا يزيد من احتمالات حدوث مضاعفات”.

كما يشير الطبيب إلى رصد بعض حالات التشوهات الخلقية لدى الأجنة، موضحا أن بعضها ظهر خلال فحوص الأشعة قبل فقدان الحمل، وبعضها بعد الإجهاض.

ويقول: “بعد الإجهاض تُحفظ الأجنة في ثلاجة الموتى داخل مجمع ناصر الطبي وفق الإجراءات الطبية، وقد لاحظنا في عدد من الحالات تشوهات مثل فقدان أطراف أو ضمور في الجمجمة، لكن تحديد الأسباب يحتاج إلى دراسات علمية معمقة”.

ولا يرى البشيتي أن أسباب الإجهاض ترتبط فقط بالعوامل الطبية، إذ يؤكد أن الضغط النفسي والجسدي الناجم عن الحرب أصبح جزءًا من معاناة النساء الحوامل.

ويشير إلى أن الخوف المستمر من القصف، والتعرض للدخان والبارود، والتنقل المتكرر بين أماكن النزوح، إضافة إلى حمل أوعية المياه والأحمال الثقيلة، كلها عوامل قد تؤثر على صحة الحوامل وتزيد مخاطر فقدان الحمل.

كما يتحدث عن حالات وصلت إلى المستشفى بعد استخدام مبيدات حشرية داخل الخيام لمواجهة انتشار الحشرات والقوارض، موضحًا أن العلاقة المباشرة بين تلك المواد والإجهاض لم تثبت علميًا بعد، لكنها تحتاج إلى دراسة خاصة في ظل الظروف الحالية.

وتأتي هذه الزيادة في حالات الإجهاض في وقت يعاني فيه القطاع الصحي في غزة من ضغوط غير مسبوقة، نتيجة تدمير عدد كبير من المرافق الطبية، ونقص الأدوية والمستلزمات، وصعوبة وصول النساء إلى خدمات الرعاية الصحية قبل الولادة.

وبالنسبة لسوسن، لا تزال آثار فقدان الحملين حاضرة في حياتها اليومية، لكنها تتمسك بالأمل في أن تنتهي الحرب وتستعيد الأسر الغزية شيئًا من حياتها الطبيعية.

وتقول: “الحرب أخذت منا البيت والاستقرار، وأخذت طفلين قبل أن يولدا، لكنني ما زلت أحلم باليوم الذي أرى فيه محمد يحمل أخًا أو أختًا له، بعيدًا عن الخوف والخيام”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى