الهاتف في غزة.. عبء لا غنى عنه


خلال سنوات الحرب، أصبح الهاتف نافذة إلى أشياء كثيرة تقلصت أو اختفت خارج شاشته، من الدراسة والعمل والخدمات إلى المعاملات المالية والتواصل مع العالم. لكن هذا الجهاز تحول في الوقت نفسه إلى عبء يصعب إصلاحه أو استبداله.
وتقول الطالبة الجامعية رغد مسعود لموقع “سكاي نيوز عربية”: “بالنسبة إلى الطلبة الذين يعتمدون على الهاتف لمتابعة المحاضرات والأنشطة التعليمية وإتمام دفع الرسوم أو المعاملات المالية، فإن تعطله وعدم توفر بديل يعني تعطل جزء من حياتنا اليومية”.
غير أن المشكلة الأصعب تبدأ عندما يحاول صاحب الهاتف إعادته إلى العمل.
وصل بلال الكفارنة إلى أحد محال الصيانة وفي يده هاتف بشاشة مكسورة، ليكتشف أن إصلاحها يتطلب أكثر من 800 دولار.
ويقول بلال: “هذه أسعار خيالية. ولو فقدت هاتفي فلن أستطيع شراء آخر جديد أو حتى مستعمل، وربما لا أستطيع إصلاح هاتفي، وبالتالي أفقد وسيلتي في التواصل”.
وهكذا يصبح السؤال في غزة مركبا: ماذا يحدث إذا تعطل الهاتف؟ وهل يستطيع صاحبه تحمل تكلفة إعادته إلى الحياة؟
1000 دولار لهاتف مستعمل
شراء جهاز آخر ليس حلا أسهل، إذ تعاني أسواق غزة نقص الهواتف الجديدة ومستلزماتها، وسط قيود على إدخال الأجهزة الإلكترونية وقطع الغيار إلى القطاع.
ويقول أصحاب محال إن آخر شحنة من الهواتف وقطع الغيار دخلت مطلع ديسمبر 2025، قبل أن تتوقف سلاسل التوريد مجددا، ما أصاب السوق بالركود ودفع بعض المتاجر إلى الإغلاق.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الاعتماد بصورة أكبر على الأجهزة المستعملة، التي تحولت بدورها إلى سلعة مرتفعة الثمن.
ويقول هيثم الصاوي، صاحب محل للهواتف في دير البلح، لموقع “سكاي نيوز عربية”: “تبدأ أسعار الهواتف الذكية المستعملة من 1000 دولار وتصل إلى 2000 دولار، بحسب كفاءة الهاتف ومدة استخدامه”.
وفي بعض الحالات، تقفز الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير. وبحسب الصاوي، عُرض هاتف من طراز “آيفون 17” بنحو 5 آلاف دولار، فيما يضطر بعض المصورين إلى شراء أجهزة حديثة لتعويض كاميرات تضررت أو تهالكت خلال سنوات الحرب.
والمفارقة أن من يعجز عن شراء هاتف بهذه الأسعار قد لا يجد الحل في إصلاح جهازه القديم أيضا.
هواتف تتحول إلى قطع غيار
داخل محال الصيانة، توجد أجهزة يمكن إصلاحها من الناحية الفنية، لكن القطع اللازمة لإعادتها إلى العمل غير متوفرة.
ويقول فني صيانة الهواتف سائد الخضري إن “مصادر الكهرباء غير المنتظمة والاعتماد على البطاريات وألواح الطاقة، إلى جانب الغبار والأتربة، تزيد أعطال الأجهزة في القطاع”.
لكن المشكلة الأكبر، بحسب الخضري، تبدأ بعد وقوع العطل، موضحا: “بعض الهواتف يمكن إصلاحها فنيا، لكن المشكلة تكمن في عدم توفر قطع الصيانة اللازمة. والمتوفر منها مرتفع التكلفة على البائع والمشتري، وبجودة أقل وكفاءة محدودة”.
وأمام هذا النقص، اكتسب الهاتف التالف قيمة جديدة. إذ يفكك الفنيون الأجهزة التي انتهى عمرها بحثا عما لا يزال صالحا داخلها، مثل الشاشات والبطاريات والقطع الإلكترونية، لاستخدامها في إصلاح أجهزة أخرى.
وفي سوق تفتقر إلى قطع الغيار، قد يستمر هاتف في العمل بفضل أجزاء مأخوذة من هاتف آخر.
ثمن البقاء متصلا
قبل الحرب، كان تعطل الهاتف يعني غالبا البحث عن محل للصيانة أو شراء جهاز بديل. أما اليوم، فقد أصبحت الخيارات في غزة أضيق وأعلى تكلفة.
رغد تحتاج هاتفها لمتابعة دراستها ومعاملاتها، وبلال يحتاج إلى أكثر من 800 دولار لإصلاح شاشة جهازه، بينما يبحث الفنيون داخل الهواتف التالفة عن قطع تبقي أجهزة أخرى قيد العمل.
وهكذا تحولت المحافظة على الهاتف إلى مسألة تتجاوز امتلاك جهاز إلكتروني. ففي غزة، أصبح الهاتف عبئا يصعب تحمل تكلفته، لكن فقدانه قد يكون أكثر كلفة، لأنه لا يغلق شاشة صغيرة فقط، بل قد يغلق معها نافذة إلى الدراسة والعمل والمال والعالم الخارجي.



