اقتصاد

غاز مجاني للمركبات ثنائية الوقود في إيران.. هل يتمكن من معالجة أزمة البنزين؟ | اقتصاد

طهران – في محطة “فكوري” للغاز الطبيعي المضغوط، غربي العاصمة الإيرانية طهران، كان عباس (52 عاما)، سائق سيارة أجرة، ينتظر دوره خلف 4 سيارات هجينة أخرى. لم يكن هذا المشهد مألوفا قبل أسابيع، أما اليوم، وبعد إعلان الشركة الوطنية للتكرير وتوزيع المشتقات النفطية أن الغاز الطبيعي للمركبات ثنائية الوقود صار مجانا بدءا من الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، فأصبحت الطوابير أمام هذه المحطات أطول، لكنّ الوجوه أقل عبوسا.

يأتي هذا القرار في إطار مبادرة أوسع أطلقتها الشركة الوطنية الإيرانية للتكرير وتوزيع المشتقات النفطية تحت شعار “قلب واحد من أجل إيران.. غاز طبيعي مجاني للشعب الإيراني”، وانضمت إليها طوعا أكثر من ألف محطة لتزويد الغاز في مختلف أنحاء البلاد، بما يتيح لأصحاب المركبات العاملة بالغاز التزود به مجانا من دون مقابل.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

وفي إعلان مشترك، اعتبرت نقابة محطات الغاز والشركة الوطنية للتكرير وتوزيع المشتقات النفطية، أن الهدف المنشود وراء هذه الخطوة هو “خدمة الشعب وتخفيف استهلاك البنزين”، في حين رأى مراقبون أن خلف هذه المبادرة تختبئ حكاية أعمق عن عجز متصاعد في وقود البنزين ما يدفع الجهات المعنية أن تدير الأزمة عبر دعوة المواطنين إلى استبدال البنزين بغاز لا يكلفها كثيرا.

سبب تراجع استهلاك الغاز الطبيعي في إيران يعود إلى تفضيل السائقين استهلاك البنزين المدعوم
سبب تراجع استهلاك الغاز الطبيعي في إيران يعود إلى تفضيل السائقين استهلاك البنزين المدعوم (الجزيرة)

مساعدة منقوصة

وبينما كان عامل محطة الغاز يملأ خزان سيارته، قال عباس إن “غالبية سيارات الأجرة في إيران تعمل بالغاز الطبيعي، في السابق كنا ندفع ثمنه، لكنه كان أرخص بكثير من البنزين. أما الآن، وبعد أن أصبح مجانا، أشعر أنني فزت بشيء في بلد تخسر فيه كل يوم جزءا من مدخراتك بسبب التضخم. هذا المبلغ لا يغير حياتي، لكنه على الأقل يجعلني أفكر أن هناك من يلتفت إلي بعض الأحيان”.

وتابع حديثه للجزيرة نت بابتسامة مرهقة، قائلا “في الوقت الراهن، أيّ مبلغ يبقى في جيب سائقي سيارات الأجرة هو انتصار. لكنْ لا أظن أن ذلك سيغير حياتنا، لأن أسعار قطع الغيار ارتفعت بشكل جنوني والضغوط الاقتصادية جعلت شريحة كبيرة من المواطنين تعمل في قطاع نقل المسافرين خلال ساعات الفراغ”.

وجنب مضخات الوقود، يقول حسين ذو الـ38 عاما (أحد العاملين في المحطة: “نظام الدفع هنا تغير بالكامل. السيارة تدخل المحطة فنملأ لها الخزان، ويظهر المبلغ صفرا على الشاشة. لكننا لا نخسر. الحكومة تعوضنا مباشرة عن كل متر مكعب نقدمه والآلية واضحة: نرفع تقارير الاستهلاك وتُحوّل لنا المبالغ تباعا”، مضيفا أن المبادرة هذه ليست جديدة بل جُربت بشكل محدود خلال حربي الـ12 يوما ورمضان.

وفي حديثه للجزيرة نت أوضح حسين، أن محطات الغاز الطبيعي في إيران تملك طاقة هائلة غير مستغلة، حيث الاستهلاك الفعلي لا يتجاوز 15 إلى 16 مليون متر مكعب يوميا من أصل قدرة تشغيلية تصل إلى نحو 40 مليون متر مكعب يوميا -وفق التقارير التي تصل إلينا- ما يعني أن 70 إلى 75% من طاقات هذا القطاع معطلة، مشددا على أن أحد الأهداف المنشودة في هذا المشروع هو تشجيع أصحاب المركبات على استهلاك الغاز بدلا من البنزين، بما ينسجم مع الطاقة الاستيعابية المتاحة لمحطات تزويد الغاز الطبيعي المضغوط.

_سيارات الأجرة الأكثر استهلاكا للغاز الطبيعي المضغوط في طهران
سيارات الأجرة الأكثر استهلاكا للغاز الطبيعي المضغوط في طهران (الجزيرة)

تراجع الاستهلاك

اتسقت تصريحات عامل المحطة مع المعطيات التي أدلى بها رضا نيكزاد عضو مجلس إدارة جمعية الغاز المضغوط في إيران، للصحافة الفارسية، عندما كشف عن تسجيل نحو 4.5 ملايين مركبة ثنائية الوقود في بلاده، مستدركا أنه منذ عام 2022 تراجع استهلاك الغاز الطبيعي المضغوط من 22 مليون متر مكعب يوميا إلى 16 مليون متر مكعب فقط.

وبحسب ما نقلته وكالة أنباء إيلنا الإيرانية عن نيكزاد، قوله إن سبب انخفاض استهلاك الغاز الطبيعي يعود إلى تفضيل السائقين استخدام البنزين، لأن سعره ما زال مدعوما ورخيصا، فضلا عن انتهاء العمر الافتراضي لخزانات الغاز في عدد من المركبات، دون أن يبادر مالكوها إلى استبدالها.

وأشار نيكزاد إلى أن مشروع توزيع الغاز الطبيعي مجانا، إلى جانب توفير خزانات الغاز للمركبات بنظام التقسيط، يستهدف تعويض عجز يُقدر بنحو 6 ملايين لتر من البنزين يوميا، من خلال إعادة نحو 800 ألف مركبة خرجت من منظومة الغاز الطبيعي إلى العمل مجددا.

 

مشروع التوزيع المجاني للغاز الطبيعي يأتي لتعويض العجز البالغ 6 ملايين لتر من البنزين
مشروع التوزيع المجاني للغاز الطبيعي يأتي لتعويض العجز البالغ 6 ملايين لتر من البنزين (الجزيرة)

أزمة بنزين

بدوره، ربط الباحث في الشؤون الاقتصادية محمد إسلامي، القرار بأزمة البنزين الخانقة في البلاد، مشيرا إلى توقف واردات طهران من البنزين خلال الأيام الأولى من الحرب الماضية، مستدركا أنه بسبب ظروف الحرب نفسها تراجع الاستهلاك المحلي، مما جعل الإنتاج الداخلي يغطي الطلب، مشددا على أن هذا التوازن الهش لا يمكن الركون إليه مستقبلا.

وفي حديثه للجزيرة نت، كشف الباحث الإيراني عن ملامح خطة حكومية أوسع لتعديل أسعار الوقود في البلاد وعلى رأسها البنزين، موضحا أن هناك تصورا لنظام تسعير متعدد الطبقات:

  • الفئات الأقل دخلا ستحصل على حصة مدعومة من البنزين، وأي استهلاك إضافي سيكون بسعر آخر.
  • السيارات الفارهة ومرتفعة الثمن، سيكون البنزين الذي تستهلكه أقرب ما يمكن من السعر العالمي وذلك من أجل تركيز الدعم على مستحقيه.
  • سيكون بإمكان ذوي الحصص المدعومة بيع البنزين بأسعار يحددها نظام العرض والطلب.
_تعاني إيران من عجز متصاعد في البنزين
تعاني إيران من عجز متصاعد في البنزين (الجزيرة)

وبعودته إلى نقطةِ مجانية الغاز الطبيعي، قال إسلامي إن “الحكومة تبحث عن كل السبل الممكنة لتخفيف الضغط عن استهلاك البنزين، وهذه الخطة ليست سوى أحد هذه السبل لتشجيع المواطنين على تحويل استهلاكهم، وهناك خطط أخرى لتوسيع أسطول السيارات العاملة بالغاز، وجعل وسائل النقل العام كالمترو والحافلات مجانية كما فعلت خلال الأشهر التي تلت الحرب، وأعتقد أن هذه الإجراءات مجتمعة يمكن أن تُحدث تحسنا في استهلاك البنزين”.

ثم بدد إسلامي المخاوف من توقف إمدادات البنزين بشكل كامل، قائلا “أما بخصوص الاستيراد، فرغم الحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز، فإن واردات البنزين تمضي على قدم وساق في الوقت الراهن. إنها تتدفق من منافذ متعددة، عبر الطرق البرية والممرات البحرية، سواء من المياه الشمالية أو حتى من المياه الجنوبية. يمكنني التأكيد أنه ليس لدينا مشكلة في أصل التوريد في الوقت الراهن، بل في تكلفته وتعقيداته”.

وعلى وقع تسارع الأزمات بطهران، يبدو الغاز المجاني نافذة صغيرة فُتحت في جدار أزمة البنزين الخانقة، ويرى مراقبون أنها ليست حلا جذريا، لكنها اعتراف بأن الأزمة بلغت مدى يجعل حتى الامتناع عن استهلاك البنزين عملا وطنيا يُكافأ عليه المواطن بإيصال استهلاكة إلى الصفر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى