مسؤولية المثقف أمام الحقيقة عند باسكال بونيفاس

د. مي عبدالكريم محمود
ولِدَ كِتاب «المثقفون المزورون» من غضب طالما احس به مؤلفه باسكال بونيفاس عندما كان يرى شخصيات عُرفت بانشغالاتها الفكرية وهي تصرح في النقاشات العامة، بأفكار مزيفة ومجانبة للحقيقة دون اعتراض من احد و يمرّ كذبها مرّ الكرام. والحديث هنا عن الكذب المقصود وليس عن أخطاء عابرة. ففي حين ينتظر الجمهور توضيحا للأمور، تتعمد هذه الشخصيات تضليله ضاربة عرض الحائط بالمهمة التي أوكلت اليها. يقول بونيفاس « كنت اخشى دائما ان لا أكون واضحا ودقيقا بما يكفي، وألا يبدر مني خطأ ما، وان حدث شعرت بخزي شديد. لذا كان الذهول هو ما اشعر به عند رؤيتي لهؤلاء المثقفين والمختصين، الذين لا يتورعون، بدافع سوء النية عن تقديم الحجج المضللة، والتصريح بعكس الحقيقة لغرض كسب تأييد المشاهد والمستمع لا غير.
اذ يبدو ان الوقاحة والغياب الكامل للرادع الأخلاقي باتا بلا حدود، بل أصبحت نقاطا تحسب لهم، بعد ان أصبحت الوقاحة هي السائدة وبلغ ” الكذب الصادق ” اوج عافيته.
يشخص بونيفاس ثلاث فئات: الأولى التي لا تتوانى عن سرد وقائع ومعلومات لا صحة لها، دون ان تتعرض سمعتها للأذى، ويتساءل لماذا يستبعد الرياضي من المنتخب عندما يكرر النتائج المخيبة، في حين ان من يسمى “المختص ” يستطيع ان يراكم الأخطاء، و يجد مع ذلك من يدعوه الى البرامج التلفزيونية بلا عناء؟ لانه عندما ينطلق في فضاء الاعلام عاليا لا تعود هناك جهة معنية بإعادته الى الأرض ثانية.
أما الأخطر من الذين يكررون الأخطاء، فهي فئة المزورين الذين يقدمون حججا لا يؤمنون بها هم أنفسهم وذلك لتحقيق اقناع أيسر للمشاهد او المستمع او القارئ. قد تكون لديهم قضية يؤمنون بها، ولكنهم يستخدمون أساليب غير نزيهة للدفاع عنها، هم بالتالي ” مزيفون ” يصنعون عملة فكرية مزورة لضمان فوزهم في سوق الاقناع.
أما الأسوأ من هاتين الفئتين فهم المرتزقة الذين لا يؤمنون بأي شيء سوى أنفسهم. لذا تراهم ينتمون (او بالأحرى يتظاهرون بالانتماء) الى قضايا ليس لاقتناعهم بدوافعها بل لأنهم يعتقدون انها قضايا واعدة وتتطابق مع الجو العام السائد. ومن فرط تكرارهم الحجج ذاتها يجد هؤلاء المرتزقة ما يبرر لهم الالتزام بهذه القضايا في نهاية الامر.
لكن هذا التقسيم لا يعني ان هناك حدا فاصلا واضحا بين المزورين و المرتزقة، فالاثنان يستخدمان حججا يعلمون تماما بانها غير دقيقة او مزيفة ولكنهم يستخدمانها لأنها تمنحهما تفوقا حاسما على خصومهما في النقاش، مع ان كليهما واع بانه على طرف نقيض من النزاهة الفكرية، التي ما عادت تعنيه بشيء.
ويعود ذلك، في رأي بونيفاس الى سببين: الأول انهم فطروا على مبدأ ان الغاية تبرر الوسيلة، ويعتبرون ان عامة الناس لا تملك القدر الكاف من النضج للتميز بين الصالح والطالح، ومن واجبهم توجيهها وان استوجب الامر سلوك طرق غير أخلاقية.
والثاني انهم، ماداموا يدافعون عن أفكار مهيمنة (كمعاداة السامية، والاسلاموفوبيا) فلن تكون هناك، في نظرهم، جهة تحاسبهم على اساليبهم المشينة. فلماذا يضايقون أنفسهم بحساب الضمير؟ فقول الحقيقة يتطلب مزيدا من الجهد للإقناع، علاوة على ان الكذب ما عاد يقلل من شأن صاحبه، ومن الحماقة ان لا يستعينوا به.
يقول بونيفاس: عندما تكذب النخب بهذا الشكل، فعلينا ان لا نستغرب انصراف عامة الناس عنها. والحال ان القطيعة بين المواطنين الفرنسيين والنخب تزداد اتساعا، وهذا يشكل خطرا على الديمقراطية، اذ ان المزورون هيئوا الحاضنة للديماغوجيين.
وما يقصده بونيفاس هنا هو ان فقدان الثقة بالنخب يخلق بيئة مواتيه لنجاح الخطاب الديماغوجي للسياسيين الذين يخاطبون عواطف الجماهير أكثر من مخاطبة عقولهم، ويقدمون حلولا بسيطة لمشكلات معقدة ويقسمون المجتمع الى شعب نقي في مواجهة النخب الفاسدة.
ومن المرجح ان القارئ الفرنسي كان سيفكر عام صدور الكتاب 2011 بشخصية جون ماري لوبن اليميني المتطرف، وبابنته مارين لو بن التي كانت آنذاك قد تولت رئاسة الجبهة الوطنية خلفا له، وقدمت نفسها بوصفها صوت ” الفرنسيين المنسيين ” في مواجهة النخب السياسية والإعلامية.
لكن الفكرة لا تقتصر على اليمين المتطرف. فمن الناحية النظرية، يمكن أن ينطبق وصف “الديماغوجي” على أي سياسي، يمينيا ام يساريا، إذا كان يعتمد على إثارة المشاعر، وتبسيط القضايا، وتحميل “النخب” مسؤولية جميع المشكلات ولنا ان نرى فيه أيضا تطابقا مع شخصيات سياسية من خارج فرنسا، مثل دونالد ترامب الذي اعتمد كثيرا على خطاب معاد للمؤسسة السياسية والإعلامية.
الأصل في المفهوم الفرنسي لمصطلح المثقف (intellectuel).
يروي الكاتب جون بوتورويل في كتابه “اعزائي المحتالون” ان الرئيس فرانسوا ميتران، بعد انتخابه بفترة وجيزة دعته مارغريت تاتشر لزيارة المملكة المتحدة، فطلب منها ان تهيئ له خلال الزيارة لقاء مع المثقفين البريطانيين. فكان رد الإدارة البريطانية انه بإمكانها ان تقدم له كُتابا، ومؤرخين وفلاسفة وباحثين لكنها لن تجد له “المثقفين” الذين يريدهم.
يتمتع المثقفون في فرنسا باعتبار خاص تعود جذوره الى المشهد الفرنسي لعصر الانوار والى أسماء كتاب كبار.
كان فولتير يتمتع بهالة خاصة لأنه، الى جانب اعماله الادبية، انحاز الى قضايا مبنية على مفهومه الخاص للعدالة، ولاسيما في قضية كالاس الشهيرة التي تورط فيها بروتستانتي اتُهم ظلما، بسبب دينه، بقتل ابنه. اما فكتور هوغو، فالتزامه السياسي، سواء في الدفاع عن الجمهورية، أو النضال ضد عقوبة الإعدام، او معالجته للقضايا الاجتماعية، جعله ليس فقط كاتبا عظيما، بل عملاقا من عمالقة الادب الفرنسي، وهناك مالرو الذي عرف بمواقفه وكتاباته المساندة للجمهوريين الاسبان.
وعلاوة على اسهامات هؤلاء الكتاب في ارتقاء المستوى المعرفي وانحسار حدود المجهول، كانت مشاركتهم بالنقاشات العامة هي التي ميزتهم عن غيرهم ومنحتهم مكانة المثقفين (intellectuels) المرموقة.
يعود أصل المصطلح الى قضية دريفوس 1894- 1906 والفريد دريفوس هو ضابط في الجيش الفرنسي أدين ظلما بتهمة التجسس، فانقسمت فرنسا الى معسكرين، معسكر من المؤيدين له الذين طالبوا بإعادة محاكمته ومعسكر المعارضين الذين رفضوا التشكيك بالجيش والأمة.
في 13 كانون الثاني 1898، نشر إميل زولا مقالته الشهيرة «أنا أتهم!»، التي ندد فيها بالظلم القضائي واتهم السلطات والجيش بإدانة رجل بريء والتستر على المذنب الحقيقي. بعد أيام قليلة، وقّع العديد من الكُتّاب والأكاديميين والعلماء والفنانين عريضةً لدعم دريفوس. فكتب الخطيب كليمنصو: « انظروا الى ما يحدث: كتاب، وأساتذة، وباحثون، وفنانون، قد لا يعرفون بعضهم بعضا، وينحدرون من خلفيات شديدة التباين، جاؤوا من كل حدب وصوب وأعلنوا دفاعهم عن فكرة واحدة وقناعة مشتركة، او ليس هذا حدثا كاشفا؟ بالنسبة الى كليمنصو، كانت تلك علامة على بروز قوة أخلاقية جديدة في الحياة السياسية، أذنت في حينها لدخول مصطلح المثقفين الى النقاش العام في المجتمع الفرنسي.
من سمات هؤلاء المثقفين هي الالتزام بالدفاع عن قضايا ذات طابع عالمي أي التي لا تخدم مصالحهم الشخصية، ووضعوا أسماءهم المعروفة في خدمة المظلومين والمغمورين ومن لا أسم لهم، على نحو منزه بعيدا عن مصالحهم الفردية. انه التناسب بين المكانة التي يتمتعون بها وتفانيهم في الدفاع عن القضايا والمخاطر التي يتحملونها لانهم في الواقع يخوضون نضالا ضد السلطات القائمة والقوى المهيمنة.
ينتظم كتاب المثقفون المزورون في جزئين اساسين. في الجزء الأول من الكتاب « ملاحظات عامة حول الخداع الفكري» يضع بونيفاس الاليات التي تسير خطاب المثقفين المزورين وتشكل العقدة الإشكالية لديهم.
اولى هذه الاليات هي تأثير وسائل الاعلام التي غالبا ما تفضل الشخصيات المعروفة بخطابها الجدلي والحازم والتبسيطي على تلك التي تقدم التحليلات المعقدة والدقيقة.
وثانيتها ان يقدم أحدهم موقفه على انه غير قابل للدحض أخلاقيا مما يسد الطريق على اية محاولة لمعارضته، بل ويحول المخالفين لموقفه على انهم غير اخلاقيين بدل ان يكونوا مجرد مختلفين معه بالرأي.
وثالثتها استخدام مفاهيم غامضة أو مثيرة للعواطف ولاسيما الخوف، مثل مفهوم الاسلاموفاشية، او الخطابات التي تحذر من وجود تهديد عالمي ضد الغرب.
في الجزء الثاني من الكتاب يسمي المؤلف صراحة عددا من الشخصيات الإعلامية معتبرا إياها من « المزورين «. وينتقد على وجه الخصوص اساليبهم في التضليل مثل اقتطاع الاقتباسات من سياقها، والمبالغة، والتحول غير المسئول بالمواقف دون الإقرار بذلك، واطلاق الاتهامات المتعسفة، أو الاستخدام الانتقائي للوقائع بما يخدم مواقفهم.
ومن أبرز الشخصيات التي يذكرها هي: ألكسندر آدلر، كارولين فورست، محمد سيفاوي، فيليب فال وبرنار هنري ليفي، والصفحات التي يخصصها لهذا الأخير هي الأكثر تفصيلا وحدة، حيث يقدمه بونيفاس بصفه مثالا بارزا لما يسميه المزور الفكري، الذي تم ضبطه مرارا وتكرارا وهو يشوه الواقع، حتى وصل به الاستهتار بالحقيقة الى ان يشير عند كلامه في احدى القضايا الى فيلسوف وهمي، ولكنه في كل مرة يتمكن من تعزيز موقفه بدلا من فقدان مصداقيته. يقدم نفسه كمدافع عن الاخلاق والنزعة العالمية خدمة لأغراضه السياسية ومصالحه الخاصة بأساليب انتهازية واضحة لاسيما في الشؤون الدولية. وكان دعمه للعديد من القضايا (مثل دارفور وجورجيا) دعما انتقائيا غالبا ما يتماشى مع الروايات الغربية أو الإسرائيلية بعيدا عن اية نزعة عالمية حقيقية. ثم يسلط بونيفاس الضوء على ميل برنار هنري ليفي لازدواجية المعايير والتعبير عن الغضب الأخلاقي بانتقائية وتبعا للجهات الفاعلة المعنية. فهو يدين العنف او القمع في بعض السياقات مثل التبت ودارفور والشيشان بينما يبرره أو يقلل من شأنه في سياقات أخرى. فهو يدعم العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة أو لبنان ويبرر سقوط ضحايا مدنين باعتباره ” اضرار جانبية”، بينما ينتقد بشدة ممارسات مماثلة تقوم بها دول أخرى.
ويمكن اختصار أطروحة الكتاب بالقول ان ما يهدد الديمقراطية هي ليست الأكاذيب التي يطلقها السياسيون وحسب، بل ان ما يهددها أيضا هي الشخصيات الفكرية البارعة في التعامل مع وسائل الاعلام والتي رغم تشويها للحقائق نجحت في كسب سلطة أخلاقية.
اما كتاب باسكال بونيفاس الثاني «المثقفون النزهاء « الصادر 2013 فهو بمثابة المرآة العاكسة لكتابه السابق ” المثقفون المزورون ” يعرض باسكال بونيفاس في هذا الكتاب الجانب الإيجابي، ويذكر بان هناك دائما مثقفين يرفضون هذا المسار ويتمسكون بالنزاهة الفكرية رغم ما قد يترتب عليها من عزلة او هجوم ويقدم امثلة لمثقفين هم بنظره نزهاء في علاقتهم مع الحقيقة والنقاش العام. الكتاب يتتبع المسارات المهنية لخمسة عشر شخصية من المفكرين والمثقفين الفرنسيين وغير الفرنسين ثم يجري مقابلات معها، ويرى انهم حافظوا على نزاهتهم الفكرية واستقلاليتهم رغم الضغوط الإعلامية والسياسية. ومن اهمهم: ستيفان هسل، ادغار موران، ايمانويل تود، ريجيس دوبريه، تزفيتان تودورف، جون زيغلر، روني برومان، جون كريستوف فيكتور.
تكمن الفكرة المحورية للكتاب في ضرورة التمييز بين الشهرة الإعلامية والقيمة الفكرية، يرى بونيفاس ان التواجد الدائم في وسائل الاعلام لا يجعل المرء مثقفا حقيقيا تلقائيا. فالمثقفون النزهاء، في تصوره، يبنون رصيدهم الفكري على المدى الطويل، ويتبنون التعقيد بدلا من الشعارات، يربطون بين اخلاقيات الفكر وصلتها بالحقيقة، لا يغيرون مواقفهم تبعا لاتجاهات وسائل الاعلام والضغوط الايديولوجية، ويرفضون استخدام الأكاذيب أو الخداع لخدمة قضية ما.
في واقع الامر ليس المقصود من قراءة بونيفاس أن نطمئن إلى أن الآخر يعاني مثلنا، ولا أن نستعمل نقده للغرب حجة لتبرئة أنفسنا، وإنما أن نتذكر أن نزاهة المثقف ليست قضية فرنسية ولا عربية، بل هي شرط لقيام أي فضاء عام يحترم الحقيقة. فإذا كانت ديمقراطية عريقة مثل فرنسا قد شهدت نقاشا حادا حول دور المثقفين والإعلاميين في تشكيل النقاش العام، فما الذي ينبغي ان نتعلمه نحن من هذه التجربة؟
- باسكال بونيفاس عالم سياسي فرنسي، متخصص في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية. مؤسس ومدير معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية، له ازيد من ستين مؤلفا في القضايا الاستراتيجية العالمية والصراع الاسرائيلي الفلسطيني والاحداث العالمية الكبرى.

