أخبار العرب والعالم

راتبك ومشترياتك وديونك.. لماذا يصبح المال أخطر حوار بين الزوجين؟ | أسرة

عندما يتأرجح استقرار الحياة الزوجية، عادة ما يعزى ذلك إلى غياب الحب أو ضعف التواصل العاطفي بين الشريكين، لكنّ الواقع اليومي يكشف خصما آخر يقف صامتا خلف معظم الخلافات: المال.

المال ليس مجرد أرقام أو حسابات بنكية، بل هو انعكاس للمخاوف، والأمان، والتنشئة النفسية لكل فرد. فعندما يلتقي شريكان تحت سقف واحد، ينقل كل منهما معه إرثا ماليا تراكميا من بيت أهله، مما يحول أي نقاش حول الفواتير أو الديون إلى منطقة ألغام مشحونة بالدفاعية والتوجس.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

والمشكلة الحقيقية لا تكمن دائما في قلة الأموال أو كثرتها، بل قد تكمن أيضا في غياب الثقافة الحوارية المناسبة لإدارة هذا الملف بين الزوجين. فكيف يمكننا نقل الحديث المالي من مربع المحاكمات والمواجهات إلى مساحة المشاركة والحلول الذكية؟

فك شفرة الخوف: لماذا نتحرج من فتح الملف المالي؟

يُعد الحديث عن المال من الموضوعات الحساسة التي يفضل البعض تجنبها، وعدم الاقتراب منها، خاصة في بداية العلاقات الزوجية. يخشى أحد الشريكين أن يبدو “ماديا”، أو يخشى الطرف الآخر كشف ديونه أو دخله الذي قد لا يلبي التوقعات، مما يجعله يشعر بالخجل وعدم الارتياح.

وتشير إرشادات خبراء العلاقات والمال إلى أن الحرج والخوف من الحكم على الطرف الآخر قد يجعلان الحديث عن الديون والدخل وعادات الإنفاق من أصعب الحوارات بين الشريكين، في حين يساعد التعامل مع هذه النقاشات باعتبارها حوارا مشتركا لا مساحة للحكم واللوم على تعزيز الثقة والتفاهم بينهما.

زوجين يتناقشان حول الامور المالية وميزانية الاسرة AdobeStock
النقاش المالي هو ركيزة أساسية للأمان والاستقرار (أدوبي)

العلاقة المعقدة بالمال: ما “نمطك المالي”؟

قبل أن تعاتب شريكك على طريقة إنفاقه، عليك أولا فهم الخلفية النفسية التي تشكل سلوكه المالي:

  • المقتصد القلق: ينظر إلى المال كدرع أمان، ويميل إلى الادخار ويشعر بالقلق تجاه الإنفاق غير المخطط له، وقد يرتبط ذلك بتجاربه السابقة مع المال أو شعوره بالحاجة إلى الأمان المالي.
  • المسرف الباحث عن المتعة: ينظر إلى المال كأداة للاستمتاع بالحياة، وقد يرى في الشراء والمكافآت الفورية وسيلة للمتعة أو التعبير عن المشاعر.

    وتشير مصادر متخصصة في العلاقات والتمويل الشخصي إلى أن تجارب كل طرف مع المال داخل أسرته، إلى جانب اختلاف عاداته وأولوياته المالية، قد تكون مصدرا للخلاف بين الشريكين. ومن هنا، يساعد فهم ما يمثله المال لكل طرف في جعل النقاش أكثر تعاطفا وأقل ميلا إلى إطلاق الأحكام.

وفي تحليل نشره موقع “بيرفكت يونيون” (Perfect Union NY) حول العلاقات الإنسانية وإدارة الأموال، يوضح الخبراء أن الخلاف المالي بين الشريكين لا يكون بسبب المبلغ المُنفَق في الغالب، بل بسبب التناقض في المفهوم النفسي للمال. ومحاولة فهم أن شريكك “المقتصد” يبحث عن الأمان، وأن شريكك “المسرف” يبحث عن تقدير الذات والبهجة، هو الخطوة الأولى لتحويل الغضب إلى تعاطف وتفهم.

جلسة “الطقس المالي” الشهري

المشكلة في معظم البيوت أن الملف المالي لا يُفتح إلا عند حدوث أزمة أو تسلُّم فاتورة غير متوقعة، مما يربط الحديث المالي بالصراخ والتوتر.

وفي مقال نُشر في صحيفة غارديان، يوصي خبراء التخطيط المالي والعائلي بتحديد جلسة دورية شهرية تُسمى “جلسة الطقس المالي”.

كيف تخططان لموعد مالي ناجح؟

  • البيئة المريحة: اختارا وقتا هادئا، في مقهى مفضل أو في البيت، بعيدا عن أوقات التعب أو وجود الأطفال.
  • قاعدة 20 دقيقة: اجعلا الجلسة قصيرة ومحددة، تبدأ بالتركيز على النقاط الإيجابية، والإنجازات المالية للشهر السابق، قبل التطرق للمصروفات.
  • لغة الـ”نحن”: لا داعي لعبارات اللوم والاتهام المعتادة للطرف الآخر. فبدلا من: (“أنت أنفقت الكثير على التسوق”، قل: “كيف يمكننا ضبط ميزانية هذا الشهر؟”
المشكلة في معظم البيوت أن الملف المالي لا يُفتح إلا عند حدوث أزمة
المشكلة في معظم البيوت أن الملف المالي لا يُفتح إلا عند حدوث أزمة (أدوبي)

الاستقلالية في قلب المشاركة

تُعد كيفية إدارة الأموال المشتركة مع الحفاظ على قدر من الاستقلالية المالية لكل من الشريكين واحدة من القضايا التي تحتاج إلى اتفاق واضح بين الأزواج.

ولا توجد صيغة واحدة تناسب جميع الأزواج لإدارة أموالهم؛ فقد يختار بعضهم دمج الأموال بالكامل، بينما يفضل آخرون الفصل بينها، في حين يلجأ آخرون إلى صيغة تجمع بين الحسابات الشخصية والمشتركة.

ومن النماذج المستخدمة نظام “لك، ولي، ولنا” (Yours, Mine, and Ours)، الذي يجمع عادة بين حساب مشترك للنفقات المتفق عليها وحساب شخصي لكل شريك.

كما يناقش المستشار المالي الأمريكي راميت سيثي فكرة إدارة الأموال بين الأزواج بطريقة تجمع بين التخطيط المشترك ووجود مساحة للإنفاق الشخصي، لكنْ لا يصح تقديم “نظام الحسابات الثلاثة” باعتباره نموذجا أجمع عليه خبراء التخطيط المالي أو ثبت نجاحه مع الآلاف من دون مصدر محدد.

نظام الحسابات البنكية الثلاثة

  • الحساب المشترك: يُخصَّص للمصاريف المعيشية الأساسية (كالإيجار، الفواتير، بقالة المنزل، وتأمين الاحتياجات الفورية)، ويتم تغذيته بنسبة مئوية متفق عليها، تُقتَطع شهريا من دخل كل شريك.
  • الحساب الشخصي المستقل: لكل شريك حساب بنكي خاص به، يحول إليه مبلغا محددا شهريا كـ “مصروف شخصي”. لا يحق للطرف الآخر المساءلة عنه، أو تقييم كيفية إنفاقه (سواء على الهدايا، الخروج مع الأصدقاء، أو الهوايات الخاصة)، مما يمنع الحرج والنزاعات حول الحرية المالية.
  • حساب التوفير والاستثمار: حساب يتشارك فيه الطرفان لوضع خطة الطوارئ (لتأمين دخل يتراوح بين 3 و6 أشهر)، والادخار للأهداف الكبرى طويلة المدى؛ كشراء منزل، وتكوين أصول استثمارية، أو التخطيط لرحلة السفر السنوية.

المال خادم للعلاقة وليس سيدا عليها

إن هدف الحوار المالي بين الشريكين ليس الوصول إلى الثراء السريع أو تطبيق مثالية غير واقعية، بل هو بناء بيئة أمان عاطفي ونفسي تسمح للحب بأن يزدهر دون أن تخنقه أزمات الأرقام.

عندما تتوقفان عن رؤية المال سببا للنزاع، وتبدآن في التعامل معه كأداة لبناء الأحلام المشتركة وتأمين المستقبل، يمكن أن تتحول القرارات المالية من مصدر للتوتر إلى مساحة للتخطيط والتعاون بينكما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى