سينما

ثقافة التمرير في السوشيال ميديا تقتل أفق السينما

لأكثر من قرن من الزمان، اعتمدت قواعد السرد البصري على لافتة افتتاحية عالمية وثابتة: اللقطة التأسيسية. وسواء تجسد ذلك في صحراء شاسعة وممتدة في فيلم «لورنس العرب»، أو في حركة كاميرا أفقية بطيئة تمسح أفق مدينة مانهاتن في فيلم كوميدي رومانسي، أو حتى في مشهد واسع يعرض الواجهة الخارجية لمبنى المحكمة قبل بدء نشرة الأخبار المسائية.

فقد كانت القاعدة مطلقة ولا غبار عليها: قبل أن تسرد القصة، عليك أولاً أن تري الجمهور أين يقفون. كان هذا الإجراء البصري يمنح المشاهد شعوراً بالاستقرار، ويبني المناخ العام، ويقدم مساحة من الانتقال الهادئ لالتقاط الأنفاس.

​أما اليوم، فإن هذا الأفق آخذ في التلاشي؛ فبمجرد أن تخطو نحو عالم الفيديوهات المحمولة المعاصرة —حيث تُستهلك مليارات الساعات من المواد المرئية يومياً ستكتشف أن اللقطة التأسيسية قد جرى حذفها وتعديلها بشكل منهجي حتى أُبيدت تماماً من الوجود.

​وبدلاً من تقديم مقدمة واسعة ومحيطة بالمكان، يبدأ الفيديو الحديث الآن من منتصف الجملة، ومن قلب الحركة، وعلى بعد بوصات قليلة من وجه البطل. لم يعد فيديو مدونة السفر، على سبيل المثال، يفتتح مشهده بإطلالة بانورامية لمدينة طوكيو؛ بل يبدأ بزوم حاد وفائق القرب على قطعة طعام شوارع فوق المقلاة، أو بوجه صانع المحتوى وهو يتحدث مباشرة إلى عدسة الكاميرا من رصيف مزدحم بالمارة. كما أن التقرير الذي يستعرض قصة حرفي محلي لم يعد يبدأ بعرض هندسة ورشته المضاءة بنور الشمس؛ بل يقتحم الكادر فوراً بصوت حاد وإيقاعي لـ «إزميل» يضرب الخشب.

هذه ليست مجرد صرعة في أسلوب الإخراج، بل هي آلية بقاء تطورية فرضتها الاقتصاديات الشرسة لمنصات التدفق الرقمي.

ففي نظام التمرير اللانهائي Scrolling، تعُد «نسبة الاستبقاء» (Retention) هي العملة الأسمى؛ إذ لا ترحم خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي أحداً، وهي تقيس اهتمام المستخدم ليس بالدقائق، بل بأجزاء من الثانية. ويدرك صناع المحتوى تماماً أن لديهم ثانية ونصف الثانية فقط لجذب المشاهد قبل أن تتحرك إصبع الإبهام إلى الأعلى، نافيةً محتواهم إلى غياهب النسيان الرقمي. وفي هذه البيئة شديدة التنافسية، غدت اللقطة التأسيسية التقليدية رفاهية لا يقوى صناع المحتوى على تحمل تكلفتها؛ فاللقطة الواسعة والثابتة لمبنى أو مشهد طبيعي لا تحوي صراعاً درامياً فورياً أو جاذباً نفسياً.

وبالنسبة لعقل هُيّئ ليتلقى محفزات سريعة، فإن رؤية أفق مدينة لثلاث ثوانٍ تبدو كأنها دهر من الفراغ التام، ودعوة صريحة للتمرير والمغادرة. ولأجل البقاء، قلب المحررون والمخرجون هرم السرد الكلاسيكي رأساً على عقب؛ فاستبدلوا السياق البيئي والمكاني بالحميمية النفسية الفورية. ومن خلال البدء بلقطة قريبة (Close-up) حادة أو لقطة حركة مفاجئة، يجبر صانع المحتوى المشاهد على الانغماس فوراً في الجوهر العاطفي للمشهد. ولم يعد سياق المكان شرطاً مسبقاً، بل بات تفصيلاً يجب تجميعه لاحقاً عبر القرائن الخلفية، أو الحوار، أو اللقطات الاعتراضية السريعة.

إن هذا التحول الهيكلي يعيد صياغة مدى انتباهنا الجمعي وثقافتنا البصرية من الجذور؛ فنحن ندرب جيلاً من المشاهدين على امتلاك صبر هائل مع لقطات عاطفية عميقة، مقابل انعدام الصبر تماماً مع الشرح والتأسيس البصري.

وعندما تحاول السينما، أو الأفلام الوثائقية، أو نشرات الأخبار التقليدية استخدام الإيقاع الكلاسيكي —كتأمل الكاميرا لمشهد طبيعي لبناء الحالة المزاجية— فإنها تخاطر الآن بأن تبدو بطيئة ومملة بشكل مؤلم في عين الجمهور المعاصر.

ولا يمثل موت اللقطة التأسيسية مجرد خسارة لزاوية كاميرا، بل يمثل شيئاً أكثر عمقاً: إنه انكماش لعالمنا البصري. فلقد جرى التضحية بالأفق البانورامي الممتد —المصمم أساساً ليتناسب مع الاتساع الأفقي للرؤية البشرية— لتغذية الطلب النهم لشاشات العرض الرأسية.

ولم نعد ننظر إلى العالم من الخارج إلى الداخل، ونمتص البيئة المحيطة ببطء قبل دخول الكادر؛ بل أصبحنا نعيش تماماً في تفاصيل اللقطة القريبة، نُلقى باستمرار في منتصف الحدث، ونحاول استكشاف أين هبطنا بينما الساعة تدق بالفعل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى