سينما

«مصعد إلى المشنقة».. رائعة لويس مال تعانق أنغام مايلز ديفيس في تحفة نوار باريس

في ديسمبر من عام 1957، جلس مخرج فرنسي في الـ25 من عمره برفقة عازف ترامبيت جاز أمريكي أسطوري داخل استوديو تسجيل مظلم في باريس، يراقبان أشرطة فيلم أبيض وأسود تُعرض في حلقة مكررة على ملاءة سرير قماشية.

ومع تدفق الصور على الشاشة، رفع «مايلز ديفيس» بوقه وبدأ بالعزف مبتكراً ارتجالات لحنية شجية وذات صدى يتردد متناغماً مباشرة مع المشاهد المتحركة. أثمرت تلك الجلسة عن واحدة من أشهر الموسيقى التصويرية في تاريخ السينما.

وكرست الهوية والأجواء العامة للفيلم الروائي الأول للمخرج لويس مال «مصعد إلى المشنقة» (Ascenseur pour l›échafaud) —وهو العمل الذي حطم القوالب النمطية لسينما الجريمة.

على الورق، يُقرأ فيلم «مصعد إلى المشنقة» وكأنه فيلم إثارة أمريكي محبوك ومستوحى من روايات الجريمة الرخيصة (Pulp thriller)؛ إذ ينفذ «جوليان تافيرنييه» ( موريس رونيه) – وهو مظلي سابق- خطة دقيقة لقتل رئيسه الثري، والذي يصادف أنه زوج حبيبته «فلورانس كارالا» (جان مورو).

وتُحبك الجريمة بسلاسة وإتقان لتبدو كأنها حادثة إنهاء حياة ذاتية. غير أن جوليان ينسى قطعة حبل حاسمة دُليت من شرفة المكتب. وعند عودته لاستعادتها، يدخل المصعد في نفس اللحظة التي يقطع فيها حارس المبنى التيار الكهربائي استكمالاً لعطلة نهاية الأسبوع.

ولأنه بات محتجزاً بين الطوابق، لا يملك جوليان سوى المراقبة بعجز بينما يقوم زوجان متمردان في الخارج بأخذ سيارته في جولة طائشة، ما يطلق شرارة سلسلة ثانوية من الجرائم الهوجاء التي تورط جوليان وتلفق له تهمة قتل لم يرتكبها.

وفي هذه الأثناء، تهيم فلورانس على وجهها طوال الليل في شوارع باريس المضاءة بالنيون، ومقتنعة تماماً بأن حبيبها قد تخلى عنها وغدر بها.

ما يجعل العمل الروائي الأول للمخرج «لويس مال» ثورياً ليس مجرد حبكته الوجودية، بل تقنياته الراديكالية والمتمردة؛ فقبل «مصعد إلى المشنقة»، كانت إنتاجات الاستوديوهات الضخمة هي التي تهيمن على السينما الفرنسية – إنتاجات مشبعة بإضاءة كثيفة، ومكتوبة بنصوص حوارية صارمة، ومنفصلة تماماً عن واقع الشارع مادياً وإنسانياً. إلا أن «مال» ومدير التصوير «هنري ديكاي» أطاحا بتلك القواعد جانباً.

ولالتقاط مشاهد «جان مورو» وهي تسير في شوارع باريس الليلية، دفع «ديكاي» بشرائط الأفلام ذات الحساسية العالية للضوء إلى أقصى حدودها؛ فلم يضاء وجهها بمنظومات الاستوديو المعقدة، بل بالتوهج الحاد الصادر عن واجهات المتاجر ولافتات النيون في الشارع.

وحتى بالنسبة للحركة، دفع طاقم التصوير مدير التصوير «ديكاي» عبر الأرصفة وهو يجلس داخل عربة تسوق مُعدّلة للحفاظ على انسيابية اللقطة وديناميكيتها. أدت هذه النتيجة البصرية إلى تجريد العمل من الصقل واللمعان المصنوع لأفلام السينما السوداوية (Film noir) التقليدية.

وبدلاً من تقديم صورة مثالية للمرأة الغاوية أو الفاتنة (Femme fatale)، تحول وجه «مورو» إلى لوحة بصرية مفعمة بالضوء تجسد مشاعر القلق، والشوق، والحزن – دون إخضاعها للمكياج الثقيل أو الإضاءة الرومانسية الدافئة.

إذا كانت الصور والرؤية البصرية قد منحت الفيلم جسده، فإن «مايلز ديفيس» كان هو الروح التي سكنت هذا الجسد؛ فبدلاً من استخدام معزوفة أوركسترالية سيمفونية مبالغ فيها لإملاء المشاعر وفرضها على الجمهور، اعتمد «ديفيس» على فرقة جاز حرة ومقلة.

لم تكن الموسيقى مجرد خلفية توثق الأحداث والحرَكات، بل تحولت إلى مونولوج داخلي وشعوري لشخصيات معزولة داخل دهاليز عقولها – جوليان وهو يتصبب عرقاً في ظلام المصعد، وفلورانس وهي تبحث وتائهة تحت قطرات المطر.

عند طرحه عام 1958، شكل فيلم «مصعد إلى المشنقة» الجسر النقدي والفني الحاسم بين تقاليد أفلام الإثارة الكلاسيكية لما بعد الحرب العالمية، وبين الانفجار المرتقب لـ «الموجة الفرنسية الجديدة» (French New Wave). وبرهن هذا العمل لنقاد شباب من أمثال «فرانسوا تروفو» و«جان لوك غودار» على أن السينما العالمية الرفيعة يمكن صناعتها بميزانيات محدودة، وتصويرها في مواقع حقيقية.

وبعد مرور سبعة عقود، تظل تحفة «لويس مال» مبتكرة بشكل لافت؛ إذ أرست المخطط الهندسي التأسيسي لسينما «النوار الحديثة» (Neo-noir)، والتي يتردد صداها عبر أعمال قامات سينمائية مثل «مارتن سكورسيزي»، و«كوينتن تارانتينو»، و«مايكل مان» – لتثبت أن أعظم الثورات السينمائية قد تنطلق من داخل مصعد معطل، وعلى وقع نغمة ترامبيت فردية تتردد في العتمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى