رسالة من شاعر إلى رسام

جمال العتابي
رسالة حسين مردان إلى الرسام شاكر حسن، المنشورة في خمسينيات القرن الماضي، وإن بدأت من مناسبة شخصية، سرعان ما تتجاوز صاحبها والمرسل إليه، لتصبح سيرة لجيل خمسينات القرن الماضي الثقافي، أو نصاً مكتظاً بالأسئلة: عن الفن والحرية، وبغداد وباريس.
العنوان: “رسالة من شاعر إلى رسام”، يضعنا أمام علاقة بين الشعر والرسم. لكن الرسالة لا تنشغل كثيراً بالتنظير للعلاقة بينهما، وإنما تجعلها علاقة إنسانية قبل أن تكون جمالية. الشاعر يكتب إلى الرسام لأنه يجد فيه، مساحة للاعتراف، فيما يعجز الإنسان عن قوله في المواجهة المباشرة.
يستهل حسين رسالته بنداء حميم: أخي الرسام شاكر حسن. لكن القارئ سرعان ما يكتشف أن هذه الأخوّة لن توفر لشاكر الطمأنينة، فحسين يكتب بحرارة شخص لا يعرف المنطقة الوسطى في التعبير، يحب ويغضب بعنف، يريد من اللغة أن تهز كيان صديقه، لا أن تربت على كتفه.” بصراحة لقد أصبحت أكره حتى الصداقة، فأنا لا أريد أن أتعب نفسي مطلقاً. لقد أغلقت الباب وهي مملؤة بالرمل، فلا أودّ أن أرى غير وجهي”.
تتكشف شخصيتة أكثر. حين لا يقدم نفسه في صورة المبدع الواثق الذي يعيش انتصاره في، بل في صورة إنسان يتعثر في الكتابة، يؤجل، وينسى، ويعاني من ثقل اليومي. يقول، بمعنى بالغ الدلالة، إنه جالس كحجر الطاحون، وأن كتابة الرسالة تحتاج إلى قوة تدفعه إليها.
كان شاكر في باريس، مدينة الثقافة والأحلام والنساء الجميلات، وحسي في بغداد يتخيل ما يفعله صديقه هناك. من هنا يأتي سؤاله الذي يبدو عادياً أول الأمر، لكن سرعان ما يحوله مردان إلى مساءلة ووصايا: المعاهد لا تصنع فناناً، اندفع إلى الشوارع، اجعل من باريس تجربة وجودية لا دورات تعليمية. ثم يتوعد صديقه: إذا عدت إلى بغداد ولم أجد تحت صلعتك شيئاً جديداً، فسوف أسحق جمجمتك، واضغط على أوجادك، حتى أزهق روحك اللعينة. سأضعك على طاولة التشريح، فإذا رأيت دمك القديم على حاله، فسأرمي بك في أول بالوعة في الطريق!
لغة تنتمي إلى قاموس مردان في الصدمة والمبالغة والتحدي، والتشفّي، حسين لا يريد لصديقه معرفة تقنية جديدة، بل يريد انقلاباً داخلياً في رؤيته للفن والحياة
لقد كان يريد من باريس أن تغيّر شاكر. غير أن شاكر، في رحلته الفنية الطويلة، لم يعد مجرد متلقٍّ لما تمنحه باريس أو الحداثة الغربية. كان عليه أن يعود إلى بيئته وذاكرته وأسئلته الخاصة ليصنع حداثته هو. وكأن الزمن تولى الإجابة عن السؤال الذي أطلقه حسين بانفعال الصديق: الفنان الحقيقي لا يعود بدم جديد مستعار، وإنما يكتشف في دمه القديم ما لم يكن قد رآه من قبل.
يزداد صوت مردان حميمية. حين يتحدث عن الوحدة والألم، عن قلب لم يجد الإنسان الذي يستطيع أن يرفع إليه شكواه. ثم تأتي الصورة الشعرية الجميلة: زهرة واحدة تطلقها في لحظة ضيق كفيلة بأن تبعد جميع الأصدقاء من حولنا.
هذه اللغة تكشف أن مردان على الرغم من شهرته بالحدّة والمباشرة والتمرد، كان يمتلك حساسية عالية تجاه التفاصيل الإنسانية الصغيرة. إنه لا يتحدث عن الصداقة بمفاهيم مجردة، بل يستدعيها في صورة زهرة، ووجه، وشراب، وعودة إلى الصباح.
حتى حديثه عن السكر والخمر ليس مجرد حديث عن عادة أو مزاج، إنه بحث عن شيء “يخدر القلب”. في محاولة للعثور على وسيلة لمواجهة الوعي حين يصبح الوعي عبئاً.
في رسالة حسين مردان إلى شاكر حسن نرى الشاعر خارج المنبر، خارج الصورة التي صنعتها شهرته، خارج “سطوة” اسمه الأدبي. إنساناً يخشى الوحدة، يتعب من نفسه، يشتاق إلى صديق، يبحث عن كلمة قادرة على أن تعيد الحياة إل جيل يطلّ علينا من ورقة قديمة، حسين يكتب إلى شاكر الرسام الغائب،. الذي يستطيع أن يفهم الشاعر من خارج عزلته. ولهذا يبدو الخطاب موجهاً إلى فنان يعرف معنى أن يكون الإنسان مختلفاً، وأن يعيش خارج القوالب المألوفة. العلاقة بينهما لا تقوم على المجاملة الثقافية، وإنما على المكاشفة. حسين لا يحاول أن يبدو أمام شاكر حسن في صورة الشاعر العظيم، إنما يريد أن يعبر عن: ارتباكه، كسله، وحدته، وقلقه، وحتى سخريته من نفسه.
وهذا ما يحمّل الرسالة قيمة نص أدبي مصنوع بعناية.
في ثنايا ذلك الصوت المتحدي يظهر رجل شديد الحساسية، يعاني الوحدة والقلق ويعترف بأحزانه. وحين يتحدث عن المرأة الصغيرة التي اقتحمت عزلته واستقرت في أحشائه كـ “القنبلة”، تتراجع للحظة صورة الشاعر الصاخب، لنرى إنساناً يخشى الحب بقدر ما يحتاج إليه. يقول ما معناه إن مجرد التفكير بهذه المرأة يجرح عظمته، ثم يعترف بأن الحديث عن الحب له حلاوة لا تضاهيها حلاوة الأساطير.
أي مفارقة أبلغ من هذه؟ رجل يتحدث عن عظمته ثم يعترف في اللحظة نفسها بهشاشتها أمام امرأة. إنها إحدى خصائص حسين مردان: أن يصنع قناع القوة ثم يكشف بنفسه التصدع الذي فيه.
تبقى رسالة حسين مردان أكثر من رسالة شاعر إلى رسام. إنها صورة لزمن كانت فيه الثقافة العراقية تعيش قلق البحث عن الحداثة. هنا تصبح قيمتها أكبر من موضوعها المباشر، إذ تكشف لنا كيف كان المثقف العراقي يعيش صداقاته، ووحدته، وفنه، وقلقه في تلك المرحلة.

