ثقافة وفن

سؤال الكرامة بين أكاكي اكاكقيتش غوغلوسيد معروف فـرمـان

د. فالح الحمـــراني
تعد تراجيديا” الإنسان الصغير” من أبرز القضايا التي استحدثها الأدب الروسي في القرن التاسع عشر؛ فهي ليست مجرد للشريحة الاجتماعية المطحونة، بل معالجة لهموم الأنسان البسيط المسحوقِ تحت عجلة مجتمع لا يرحم. ولم ينحصرهذا المفهوم داخل الحدود الروسية، بل أنعكس على الآداب العالمية، ومنها الأدب العراقي؛ الأمر الذي يتجلّى بوضوح عند عقد مقارنة بين قصة” المعطف” للروسي نيقولاي غوغول، ورواية” السيد معروف” لغائب طعمة فرمان. ولفهم هذا التقاطع الإبداعي، وعندما نتأمل تاريخ صدور العملين؛ فقصة” المعطف” التي نشرت في عام 1842 في ظل روسيا القيصرية رواية فرمان” السيد معروف” عام 1982، فأننا نقف أمام شخصية ناسخ المستندات البسيط أكاكي أكاكييفيتش الذي يعاني من البيروقراطية المظلمة في مدينة سانت بطرسبرغ، ويبذل بكل جهده من أجل تحقيق حلمه بشراء معطف جديد يحميه من صقيع الشتاء ومن سخرية زملائه، لتنتهي حياته بفجيعة كبرى بعد سرقة المعطف منه وقتل حلمه الأثير. وفي المقابل قدم لنا غائب طعمة فرمان النسخة العراقية التي تتماهى مع ذلك الكائن الهامشي؛ فهو موظف يعيش عزلة خانقة في بغداد، يصارع الفقر والتهميش، ويحاول باستماتة الحفاظ على الحد الأدنى من احترامه لنفسه، وسط عالم يتغير بعنف ويدوس الضعفاء بلا رحمة.في العملين، لا نجد الملابس تفصيلاً عابراً، بل هي كل شيء تقريباً؛ إنها “الستارة الاجتماعية” التي تستر غياب القيمة ويمنح المرء الحق في الوجود أمام الآخرين.
معطف أكاكي القديم تآكل وصار أشبه بغطاء سرير مليء بالرقع، وبسببه كان مادة لسخرية موظفي المديرية الذين استباحوا إنسانيته تماماً. وحين لبس المعطف الجديد، شعر لأول مرة أنه إنسان وله وجود، وكأن القماش منحه هوية قانونية واعترافاً طبقياً كان محروماً منه طوال حياته. وبنفس الطريقة، تبدو بدلة السيد معروف وحذاؤه المتآكل هما خط الدفاع الأخير عن كبريائه كـ “أفندي” قديم يحاول التشبث بماضٍ وظيفي محترم. معروف يدرك نظرات الجيران وبائع البقالة لملابسه الرثة، ويعرف أن اهتراء ياقة قميصه أو غياب أزرار سترته يعني عورته الاجتماعية وإعلان جوعه وحاجته أمام أهالي المحلة، لذلك يفرك قماش البدلة القديمة ويحاول تنظيفها بأصابعه المرتجفة ليخفي خلف خطوطها الباهتة بؤسه اليومي.
ينعكس هذا الزي المتهالك فوراً على حركة الشخصيتين ولغة جسديهما، ليتحول الجسد نفسه إلى أداة للاختباء والتقوقع. يسير أكاكي في شوارع بطرسبرغ بظهر منحني، ملتصقاً بالجدران، وكأنه يحاول تقليص جسده ليتفادى عيون المارة في الطرقات الصاخبة. وفي مكتبه، يغرق بين الأوراق بحركات آلية بلهاء، حتى إنه يحرّك شفتيه محاكياً شكل الحروف أثناء النسخ، كأنه آلة كاتبة حية أُفرغت من روحها. وحين يواجه “شخصية هامة” وتنهال عليه كلمات التوبيخ القاسية، يصاب جسده بشلل تام، وترتجف ساقاه، ويسقط في ذهول يسلبه حتى القدرة على النطق.
أما السيد معروف، فلا يختلف عنه في توجسه؛ إذ تبدو خطواته في أزقة بغداد ثقيلة ومترددة، ويقبع واضعاً يديه في جيوبه لإخفاء رعشة عجز قديم، ولمداراة خلوهما من أي نقود تسد رمقه. وعندما يجلس في مقهى المحلة، يختار دائماً المقعد الأكثر عتمة وانزواءً تحت ظلال الجدران القديمة، ويقضي الساعات يتجرع كوب الشاي الوحيد ببطء شديد، فاراً من عيون الناس التي تلاحقه؛ عيونٌ لا ترحم كبرياء الأفندي المنهار، وتتوزع بين نظرات شفقة تجرحه، أو ازدراء يوجع وهويتأمل غروب الشمس وشفقها.
المناخ هنا يعذب الأبطال ويحاصرهم، وليس مجرد خلفية عادية للطقس أو تبدل الفصول. شتاء سانت بطرسبرغ يقرص أنوف الموظفين الصغار بالصقيع العاتي، والبرد الجليدي هناك لا يرحم الفقراء الذين لا يملكون معاطف صوفية دافئة، وهو برد قاسٍ يشبه تماماً جفاف قلوب المسؤولين الكبار القابعين في مكاتبهم المدفأة والذين لا يشعرون بزمهرير الأرصفة. وبنفس القسوة، يغرق السيد معروف في ليل بغداد برطوبته التي تتسلل تحت جلود الفقراء؛ المطر هناك في رواية فرمان ليس عنصراً شاعرياً، بل هو طين رطب ولزج ينخر العظام، ويزيد من عزلة معروف الباردة في غرفته المستأجرة ذات السقف المتداعي، ويحيل حياته اليومية إلى حصار خانق يدفعه مجبراً نحو المرض والعلل الجسدية والانعزال التام عن مجتمع تلاشت منه قيم التكافل القديمة.
وفي النهاية، يموت بطل غوغل وحيد نتيجة القهر والكمد، لكن الخاتمة تفترق بناءً على الرؤية الفكرية والأيديولوجية لكل كاتب. أكاكي يموت بالحمى بعد توبيخ الجنرال له وسرقة معطفه الثمين في ليل مظلم، ولا يعرف زملائه بموته إلا بعد أيام ليمحى أثره فوراً ويجلس مكانه موظف آخر، لكن غوغول يرفض ترك ضحيته بلا ثأر، فيمنحها “انتقاماً أدبياً” عبر نهاية فانتازية تظهر فيها روح أكاكي كشبح هائم في الشوارع يسرق معاطف المارة والمسؤولين ليعيد الاعتبار لكرامته المسلوبة. أما غائب طعمة فرمان، الكاتب الواقعي الاشتراكي، فيلتزم بالحقائق المادية الصارمة ويرفض هذا العزاء الغيبي أو الحلول الخارقة؛ فاليسد معروف لا يموت ساقطاً صامتاً في دوامة البؤس والمرض وسط وحل الأزقة البغدادية دون أي ضجيج، وبلا أي شبح يعود لينتقم له من جشع الواقع، وانما بصرخته المفجعة بوجه مدير دائرته: “لوكان التاريخ هو تاريخ البشر حقا لكان تاريخي… وتاريخ نسيبي الذي قُتل يومين”. لأن فرمان يريد من القارئ ألّا ينتظر معجزة من السماء أو الأساطير، بل يريد منه أن يغضب من منظومة اقتصادية واجتماعية تطحن الشرفاء وتدفعهم نحو الفناء دفتراً طي النسيان دون أن يلتفت إليهم أحد.
يلتقي البطلان في نقطة واحدة رغم تباعد الأزمنة واختلاف الجغرافيا؛ فالشخصيتان صرخة أدبية عالية ضد منظومات تجرد الفرد من آدميته وقيمته بناءً على رتبته الوظيفية أو ما يملكه في جيبه من مال. غوغول كشف عورة البيروقراطية القيصرية وجفاف المشاعر الإنسانية، وفرمان فكك بؤس التهميش والوحدة القاتلة في المدينة العربية الحديثة، ليبقى المعطف الروسي والبدلة البغدادية الرثة شاهدين حيين على معركة تاريخية واحدة خاضها الإنسان الصغير من أجل انتزاع حقه البسيط في الكرامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى