ثقافة وفن

المسرح الكوردي استطاع أن يؤسس شخصية جمالية وفكرية واضحة

حاوره/ علاء المفرجي
هوشنك وزيري كاتب ومسرحي عراقي من مدينة أربيل في كردستان العراق. درس الإخراج المسرحي في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، وهو ما يفسر طبيعة اشتغاله التي لا تقتصر على الكتابة الأدبية للنص المسرحي، وإنما تنفتح على تقنيات العرض والخشبة وبناء الشخصية والفضاء المسرحي.
ويتميز وزيري بتجربة ثقافية ولغوية متعددة؛ فهو ينتمي إلى البيئة الكردية العراقية، لكنه يكتب بالعربية أيضاً، إلى جانب اشتغاله باللغة الكردية والإنجليزية. وقد أشير إلى هذا التنوع بوصفه أحد مصادر ثراء تجربته، لأن نصوصه تتحرك بين أكثر من فضاء ثقافي ولغوي، من دون أن تفقد صلتها بالواقع العراقي وأسئلته.
وتشكل الحرب والذاكرة والعنف السياسي والعزلة والقهر والجنون مجموعة من أبرز الثيمات التي تتكرر في كتاباته. وهو لا يتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً عسكرياً فحسب، وإنما بوصفها تجربة تترك آثارها في الذاكرة والجسد والعلاقات الإنسانية وفي المكان نفسه.
عندما نستعيد البدايات، ما الذي تتذكره من اللحظة التي قادتك إلى المسرح؟ هل كان اختياراً واعياً، أم أن المسرح وجد طريقه إليك قبل أن تختاره؟
الآن وأنا ألتفت إلى الوراء، حقيقة لا أعرف من أختار من! ربما اللحظة الأولى تتمثل في البيتِ الذي نشأتُ فيه، ولا أعني بأن العائلة هي التي قادتني للمسرح ودفعتني لدراسته، كلا، بل بالعكس من ذلك، لم يكونوا سعيدين جدا باختياري الدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة. فأبي كان يريدني محاميا، وربما خاب ظنه. حين أقول البيت، فأنا أقصد موقعه الجغرافي في مدينة أربيل، فقد كان واقعا بين مسرحين! فعلى بعد أقل من مائة متر جنوبا يقع مسرح “الثقافة والجماهير” والذي تغير أسمه حديثا لمسرح «صفوت الجراح» وهو من رواد المسرح الكردي في أربيل، بينما على الجهة الأخرى من البيت كان مسرح قاعة الشعب (هۆڵی گه‌ل) الذي بُني في الخمسينيات من القرن الماضي كما أعتقد، والذي كان يبعد عن بيتنا أقل من 15 دقيقة مشي. أتذكر كنت أحرص في مراهقتي في بداية الثمانينات على رؤية العروض المسرحية لمخرجين أكراد من أمثال طلعت سامان وصفوت الجراح وصباح عبدالرحمن وغيرهم كثير. ربما تمثل هذه المشاهدات اللحظات الأولى لعلاقتي بالمسرح. لكن ربما العلاقة الأكثر جوهرية تعود إلى الطفولة حيث الخيال الخصب الذي ينتج كذبا حلوا مليئا بالدراما على هيئة قصة ذات حبكة، والذي حين كبرنا بتنا خجلا وتأدبا نسميه التأليف! أتذكر بأني مثلت في مرحلة الاعداية أيضا، لكنني لم أستلذ به كما كنت أستلذ بتمثيل كذبي الخاص من تأليفي على أصدقائي! لكن لأعود إلى سؤالك، لا لم يكن اختيارا واعيا بالمطلق، كان اختيار طفولتي.
تشكلت تجربتك في فضاء ثقافي عراقي وكردي متداخل. كيف انعكس هذا التداخل على رؤيتك للإنسان والمكان والهوية في أعمالك؟
تشكلت تجربتي في أمكنة وفضاءات ثقافية متداخلة، فهي لا تقتصر على قطبي عربي-كوردي فقط، بل هناك مدن وأمكنة أخرى كثيرة مثل سوريا وأمريكا وغيرهما التي تداخلت وساهمت بطريقة أو بأخرى في صياغة تجربتي ورؤيتي للإنسان والهوية والمكان. تداخلُ وجوه هذه الأمكنة وثقافاتها في بعضها البعض أحيانا، وتفرقها واختلافها أحيانا أخرى، جعلني أكثر حساسية إزاء تعدد الانتماءات، أو فقدان الشعور بالانتماء كليا. لذلك لا أتعامل مع الهوية بوصفها تعريفا قارا ثابتا، تَنتمي إليها مرة واحدة وإلى الأبد، أو حدودا مغلقة على كل شيء، بل باعتبارها سؤالا في صيرورة سائلة دائمة. لأكون واضحا أكثر، السؤال عندي لا يتعلق بالهوية بقدر ما يتعلق بالانتماء، وخصوصا إذا كانت الهوية ضيقة تضيق عليك لغتك ورؤيتك. وربما لهذا تبدو الهوية عندي أقل ارتباطا بشعار أو بجماعة أو بمكان محدد، وأكثر ارتباطا بتجربة الانسان في البحث عن مكان يشعر فيه، أو عن انسان آخر يشعر معه، بالانتماء، حتى لو كان المكان غربة أو منفى!
لنبدأ من أعمالك نفسها. كيف تنظر اليوم إلى مجموعتك المسرحية؟ هل تراها مراحل منفصلة أم أن هناك خيطاً داخلياً يربط بينها ويكشف تطور مشروعك؟
هي تأتي ضمن مراحل زمنية مختلفة وكتبت ضمن سياقات مختلفة، لكنني لا أراها منفصلة بقدر ما أراها محاولات مستمرة لتطوير أسئلة من قبيل علاقة الانسان الشائكة بالمكان، ماذا يحدث حين يفقد الانسان المكان الذي يمنحه المعنى، أو علاقته بالحرية، ماذا يحدث حين تُمنح فجأة، وأنا أركز على كلمة تُمنح، الحرية، كما في مسرحية الإستيلاء، وهي أولى مسرحياتي، أو السؤال في العنف والهوية كما في «قبو بغداد» وهي مسرحية عن الحرب الطائفية في بغداد. هي عبارة عن سيرة مستمرة في الأسئلة حول الانسان وهو واقف وحيد في مركز العنف والحرب والأمكنة حين نفقدها أو حين تتحول إلى مصدر تهديد وجودي. لكن هذا لا يعني أنني أكتب مشروعا واضحا ومصمم مسبقا، كلا فمع كل نص تتغير الأسئلة وتتغير علاقتي مع الشخصية والمكان واللغة. لكن يظل السؤال الأكثر أهمية بالنسبة لي هو عن العلاقة الإشكالية بين الانسان والحرية! وهل يمكن أن تتحول الحرية إلى عبء عند البعض!
عندما تعود إلى نصوصك القديمة، ماذا ترى فيها اليوم؟ هل ترى أخطاء البدايات، أم ترى فيها أسئلة ما زلت متمسكاً بها؟
النصوص القديمة بنت بيئتها ولحظتها وأنا أنتمي لكل كلمة فيها. هل هناك أخطاء؟ الكتابة ليست عملية رياضية أو فيزيائية لنقول هناك أخطاء. ولكن إذا نقصد بالخطأ ضعف أو ركاكة في عناصر مثلا في الشخصية أو درامية البناء الحكائي، بالتأكيد سنجد ما لا يعجبنا في كتاباتنا السابقة، لكن كل كتابة هي تمرين لانتاج كتابة أفضل، وكل نص يضحي بشيء ما لينتج نصا أفضل. النصوص الأولى مثل الأبوين يضحون ويفضحون أخطائهم ليتعلم منهم الأولاد الذي هم النصوص اللاحقة. النصوص السابقة لا تُلغى، بل تساهم في إنجاب النصوص اللاحقة، وهذه هي جمالية سيرة الكتابة.
في أعمالك، كيف تتشكل العلاقة بين الشخصية والحدث والمكان؟ وهل يأتي المكان عندك بوصفه خلفية للأحداث أم بوصفه شخصية فاعلة في النص؟
المكان في نصوصي ليس مجرد جغرفيا، أي ليس محض موقع فيزيائي تتحرك فيه الشخصيات، لكنه في الوقت ذاته ليس شخصية فاعلة بذاتها رغم دوره الفاعل في تكوين ذاكرة الشخصيات وتحديد مصيرها أيضا. الأمكنة تحرس الذاكرة وتثيرها، وتحمل أيضا مشاعر الخوف والفقد والانتماء. ربما مسرحيتي الأخيرة «تحت شجرة التين» التي تدور أحداثها في قرية تهدمت أثناء عمليات الأنفال أفضل مثال لذلك، فهناك تداخل بين الشخصيات وذاكرة المكان والحدث الذي يجري الآن. الشخصيات لا تستطيع الإفلات من المكان، حتى إننا لا نعرف هل فعلا للقرية وجود! يلتبس المكان هنا بين الوجود المادي والذاكرة والخيال. لذلك أقول أنني أتعامل مع المكان كقوة فاعلة قادرة على تحريك البنية الدرامية، لكن ليس بالضرورة شخصية مستقلة.
ما الذي تغير في لغتك المسرحية بين أعمالك الأولى وأعمالك الأحدث؟ وهل تعتقد أن الكاتب يستطيع أن يظل وفياً لأسلوبه من دون أن يتحول إلى أسير له؟
لا أعرف بالضبط إذا كان تقييم التغييرات في اللغة ورصدها هو دور الكاتب نفسه، أعتقد انه ليس من السهل أن يقوم الكاتب بهذه المهمة، ربما هذه مهمة تتولاها عين القارئ الناقد الذي يقرأ النصوص ومسيرتها. ولكن بشكل عام أستطيع القول بأنني أحاول دائما أن تكون اللغة مشحونة دراميا، بمعنى أن وظيفتها لا تكمن في نقل المعلومة بين شخصيتين بقدر ما هي تحاول شحن التوتر الدرامي بين الشخصيات. أي وظيفة اللغة لا تكمن في إنها أداة تواصل بمعناها التقليدي، بل وظيفتها الأساسية في بناء الدرامي وشحن التوتر. أنني كثير ما أميل لحوارات طويلة، فيها سردية بعض الشيء، لكنها ليست سردية روائية، بل هي درامية بالدرجة الأساس.
أما يتعلق بسؤال الأسلوب، لا يمكن للمؤلف أن يكونَ أسيرا لطريقة أو لأسلوب واحد محدد فقط. قد يفرض عليك مزاجُ النص أسلوبا معينا في الكتابة، أوقد تقودك الشخصيات وأمزجتها لبناء أسلوب يختلف عن كل ما كتبته سابقا. الوقوع أسيرا داخل قالب أسلوبي مخطط مسبقا، يتحول من وسيلة لاكتشاف الجديد إلى قيد يمنعك من الوصول إلى أي جديد. ولهذا أرى أن على كل نص جديد أن يخون شيئا أو أشياء من النص الذي سبقه.
هل حدث أن شاهدت عرضاً لأحد نصوصك وشعرت أن المخرج ذهب به إلى مكان لم تكن تتوقعه؟ وهل تعتبر ذلك ابتعاداً عن النص أم اكتشافاً جديداً فيه؟
نعم! ولا أعتقد بأن الأمر تعلقَ بقراءة مختلفة أو اكتشاف جديد في النص، بقدر ما شعرتُ بسوء فهم عميق بين العرض الذي رأيته وبين نصي المسرحي. بمعنى آخر، شعرت بقطيعة في الفهم بين النص والعرض. وبالمناسبة، إشكالية العلاقة بين النص والعرض قديمة جدا وشائكة، وهي من المعضلات التي لا أعتقد أنها تُحل بسهولة. أنا من الذين يؤمنون بحرية تامة للمخرج في قراءته وتأويله، شريطة أن أرى الحوار أو الجدل الذي قام به المخرج مع النص منعكسا في العرض. بالتأكيد ليس مطلوبا من المخرج تبنى رؤية النص بحذافيرها، لكنه حين يغير من فكرة النص، أو جزءا من النص، يجب أن يكون هناك إقناع تام لسؤال لماذا قام بذلك؟ بمعنى آخر، أريد أن ألمس رؤية المخرج والجهد الفكري الذي صارع به النص، وأن أرى أثر هذا الحوار والصراع منعكسا في بصرية العرض.
أين تضع تجربتك داخل المسرح الكردي في العراق؟ وهل ترى أن المسرح الكردي استطاع أن يؤسس لغته الجمالية الخاصة، أم أنه ما زال يتحرك داخل تأثيرات المسرح العراقي والعالمي؟
الناقد هو الذي يحدد موقع تجربتي في المشهد المسرحي عموما. لكن، أعتقد، وبحكم كتابتي باللغة العربية، فأن حضور تجربتي في الكتابة المسرحية يعتبر أكثر بروزاً في المسرح العراقي والعربي منه في المسرح الكوردي. لكن تُرجمت أغلبية مسرحياتي في الآونة الأخيرة إلى اللغة الكوردية، وربما ستكون هذه الترجمات عاملا مساعدا في وصولها إلى الخشبة في كوردستان.
أما ما يتعلق بسؤالك حول المسرح الكوردي، فأود أن أقول بأنه ليس هناك مسرح يعيش معزولا عن التجارب المسرحية الأخرى، المحلية منها والعالمية. المسرح، أي مسرح، هو بالضرورة نتيجة حوار في التأثير والتأثر مع تجارب مسرحية أخرى. ومن هذا المنطلق أرى أن المسرح الكوردي سواء في العراق، أو في الأجزاء الأخرى من كوردستان كإيران وسوريا وتركيا استطاع أن يؤسس شخصية جمالية وفكرية واضحة، وهناك مؤلفون ومخرجون، سواء كانو يعيشون هنا في الداخل أو في أوروبا وأمريكا، طوروا هذا المسرح عبر تجاربهم المختلفة. بالتأكيد هناك تأثيرات من المسرح العراقي، أو من تجارب مسرحية أخرى في العالم على المسرح الكوردي، لكن الأمر مهم هو كيف يتعامل هذا المسرح مع هذه التأثيرات ويعيد انتاجها بلغته الخاصة داخل تجربته وخصوصيته. ثم، لا ننسى أن العالم فعلا أصبح قرية صغيرة عبر شاشات مختلفة، حيث يستطيع الفنان المسرحي، أينما كان يعيش، أن يشاهد تجارب مسرحية جديدة من حول العالم ويتعلم منها أو يتأثر بها. السؤل في رأيي لا يكمن في كيف نتخلص من التأثير، بل ماذا نفعل به؟ هل نخضع له حرفيا، أو نستغل هذه التأثيرات ونحولها إلى لغة تخصنا.
هل تعتقد أن هناك مسرحاً عراقياً واحداً بتنوعاته، أم أننا أمام تجارب متعددة ينبغي قراءتها بحسب خصوصياتها الثقافية واللغوية والجغرافية؟
بالتأكيد أننا أمام اختلاف في التجارب المسرحية حيث ينبغي قرأتها بحسب خصوصيتها ومراجعها الثقافية. وإذا كنا نقصد بهذا السؤال تنوع واختلاف العرض المسرحي الذي يقدم بلغة أخرى وينتمي لثقافة أخرى، مثلا المسرح الكوردي الذي يقدم في حلبجة أو السليمانية، عن عرض مسرحي آخر يقدم مثلا في بغداد أو في الديوانية، فأعتقد أن الجواب هو أننا أمام تجارب مسرحية متعددة وينبغي قراءتها بحسب مرجعياتها الثقافية وخصوصيتها اللغوية والجغرافية. فلا أحد يستطيع أن ينكر أن اختلاف اللغة والثقافة والذاكرة والتأريخ ينتج خصوصيات لا يمكن إهمالها.
لكن هذا السؤال يعيدنا لمأزق الهوية الذي فعلا أريد أن أتجنبه! فهناك إشكالية في لصق صفة وطنية أو قومية لمسرح ما! ماذا نعني حين نقول: هذا مسرح عراقي أو إنجليزي! هذا سؤال يحتاج إلى بحث طويل ومعمق. لن أنكر بأنني من الذين لا يحبذون هذه الصفات، إذا كانت وظيفة هذه الصفات هي إغلاق مساحة المسرح الشاسعة فكريا وجماليا كلها داخل صفة وطنية أو قومية! وبما أنني قلت بأن تجربة المسرح الذي يقدم في مدن كردستان يختلف عن الذي يقدم في بغداد أو في مدن أخرى، فعلي أن أشير بأن هذا التعدد لا ينفي بأن هناك فضاء مسرحي عراقي مشترك، لكن ليس بالضرورة لغة أو تجربة مسرحية عراقية واحدة، أي حشرها داخل إطار عراقي واحد.
عاش العراق عقوداً من الحروب والعنف والتغييرات الكبرى. لماذا، في رأيك، لم يتحول هذا التاريخ الهائل إلى عدد أكبر من النصوص والعروض المسرحية التي توازي حجم التجربة العراقية؟
أعتقد أن المسرح العراقي إنشغل بالحرب والعنف، وأعاد قراءتهما كثيرا. فقد أنتج المسرح العراقي، ومنذ الثمانينيات، عشرات النصوص والعروض المسرحية التي تناولت الحرب وآثارها على الانسان والمجتمع العراقي. لا أعتقد أن هناك فنانا مسرحيا عراقيا، سواء كان مؤلفا أو مخرجا، لم يتصد لموضوعة الحرب أو العنف.
لكن لماذا لم يتحول هذا «التاريخ الهائل»، كما تسميه أنت، إلى عدد أكبر من التجارب، فهذا سؤال يستحق التوقف عنده. أعتقد أن سؤالك هذا ينطبق على مجالات أدبية وفنية أخرى أيضا كالسينما والرواية. في اعتقادي، لم ينعكس هذا التاريخ الطويل من الحروب المتتالية والعنف والقسوة عميقا بما يكفي في الرواية أو حتى في السينما، بالرغم من أننا لدينا روايات ممتازة عن ماعاناه المجتمع العراقي بسبب الحروب.
لا أعتقد أن الأمر يتعلق بكم التجارب، بل بكيفية التصدي لثيمة الحرب وتحويلها إلى رؤية فكرية وجمالية قادرة على فهم حجم المآسي وتعقيداتها، والأهم، قادرة على فهم التغييرات أو الانقسامات العميقة التي أنتجتها هذه الحروب داخل المجتمع العراقي، أو في سايكولوجية الانسان العراقي. وكأن نصوصنا إنشغلت بالحرب أكثر من إنشغالها بفهم التغييرات الكبرى التي أنتجتها. وكأننا نتجنب قصدا الوصول لفهم “ما حدث” ومعانيه! فمثلا، غياب نصوص مسرحية تتناول الحرب الطائفية في العراق، أو على المستوى الكردي، مسرحيات كوردية تتناول الحرب الأهلية الكوردية، أو ما يُسمى بـ «قتال الإخوة»، بين الحزبين الكورديين الكبيرين وآثارهما على المجتمع، يستدعي أكثر من سؤال! وكأن المثقف هنا يعمل بالمبدأ الديني الإسلامي “إذا بليتم فأستتروا” ويستتر على هذه الكوارث بدلا من إثارتها من أجل فهم أسبابها وعواملها والتغييرات الكبيرة التي أحدثتها!
لكنني بشكل عام أميل إلى القول بأن التجربة الأدبية العراقية، سواء في المسرح أو في الرواية، كتبت كثيرا عن الحروب، لكنها باعتقادي لم تقدر أن تنتج نصوصا كبيرة تصل في معانيها لحجم وعمق الهول والمأساة التي عشناها.
قرأت لك بعض المقالات السياسية هل لك أن تحدثنا عن الصلة بين ما هو سياسي وما هم فني؟
نعم، إلى جانب المسرح والكتابة الأدبية، كتبت مقالات سياسية في الصحافة العربية، ولي كتاب بعنوان «ما بين عراقين». كما عملت باحثاً في مجال التطرف والعنف السياسي.
عن الصلة بين عالمي الفن والسياسة، هناك مقولة رائعة للكاتب المسرحي الألماني برتولت برشت تمسك بجوهر هذه العلاقة وهي أن يكون الفنُ غير سياسيا، فهذا يعني أنه يتحالف أو ينحاز للفئة الحاكمة، أي السلطة.
لكن هذا لا يعني بالضرورة لكي يكون الفنُ سياسيا عليه أن يتحول إلى خطاب سياسي شعبوي يستخدم شعارات مبتذلة وهو يصرخ مع رفع القبضات في الهواء، كلا مطلقا. فلا يمكن اختزال الفن في السياسة فقط، كما لا يمكن أن يؤدي الفنان وظيفة السياسي عبر شعارات تدغدغ الوجدان. بل تكمن سياسةُ الفن في إعادة ترتيب إدراكنا للعالم كما نراه، أو في إعادة تنظيم العالم حيث الفنان هو الذي يقرر لمن يجب أن تُمنح مساحة الكلام، ومن الذي يُرى، ومن الذي يجب أن يُسمع. فإذا كانت وظيفة السياسي التقليدية هي إدارة العالم، وبالتالي هو الذي يفرض النموذج الذي يمتلك سلطة الكلام والتمثيل، ويُسلط مُثله وقيمه على المجتمع، فغالبا ما تكون وظيفةُ الفنان هي صياغة عالم يأتي فيه بنماذج أو ممثلين أخرين مغايرين ويمنحهم سلطة الكلام والتمثيل. هذا هو أحد أبعاد سياسة الفن.
لكن عن نوع العلاقة الذي يكمن بين عالمي الفنان والسياسي، فهذا موضوع آخر وأود أن أقول بوضوح شديد، أن للفنان كل الحق أن يتدخل في شؤون عالم السياسي، يسائله، يحاسبه، ينتقد ممارساته، لكن بالمقابل لا يملك السياسي ذرة حق في أن يتدخل في عالم الفنان، أو يفرض وصايته، أو مُثله وقيمه، أو يمارس الرقابة عليه.
في زمن أصبحت فيه الشاشة والهاتف ومنصات المشاهدة جزءاً من الحياة اليومية، ما الذي يستطيع المسرح أن يقدمه ولا تستطيع السينما أو التلفزيون أو المنصات الرقمية تقديمه؟
شاشة الهاتف أصبحت آفة ليست على المسرح، بل على القراءة والفن بشكل عام. اختزلت المعرفة من القراءة والمشاهدات في فيديوهات قصيرة، كما وغيرت من طريقة التلقي الفني بشكل مفزع وقَصرت مدى الانتباه البشرى إلى حد كبير! لكن طوال التاريخ استطاع المسرح أن ينجو من تهديدات أخرى، فحين ظهرت السينما كان هناك من يقول إن الصور المتحركة ستحل محل المسرح. ثم في الأربعينيات والخمسينيات قالوا من يذهب إلى المسرح في حين تأتيك الدراما للبيت مجانا؟ لم يختف المسرح، لأنه عصي على الاستبدال، لسبب بسيط وهو هذا الحضور الحي الآني الدافئ المشترك بين الممثلين والجهور، رغبة الناس أن تكون حاضرة وجزء من تجربة «الآن وهنا» ويشاركون الممثلين اللحظة الحية بكل أحداثها ومعانيها.
يمتلك المسرح ما لا يملكه كل الفنون الأخرى: هذا التفاعل الحي الآني الذي يدور على مستويين في الآن نفسه: أولا بين الممثلين أنفسهم على الخشبة، ثم بين الممثلين والجمهور. وهذا التفاعل يخضع لمزاج الآن وظروف اللحظة ويختلف من عرض لآخر. فالعرض المسرحي لا يمكن تكراره بنسخة طبق الأصل.
لذلك لا أعتقد أن هذه الشاشات تمثل تهديدا كبيرا لحياة المسرح بقدر ما هناك تهديدات أخرى أكثر قسوة كغياب الدعم الحكومي أو الرقابة مثلا!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى