في المعرض الشخصي الأول للفنان الشاب مهدي العيّاش:(دعوة لحياة مغايرة)

حيدر عودة
عتبة:
ذات نهار يوم شتوي بغدادي قبل عامين دعاني الفنان سلام عمر، لزيارة مرسم واحد من فناني مشروعه الفني. لم أكن قد تعرفت على هذا الفنان الذي تخرج قبل عام من كلية الفنون الجميلة في بغداد، وقبلها كان من الأوائل عندما تخرج من معهد الفنون فرع الرسم. وصلنا بيته في منطقة التّاجي يواجهنا مشهد بيوت غير منتظمة، تشبه بعض مناطق مدن المحافظات لا العاصمة. هبطنا من الطريق السريع المرتفع عن الحي وتوجهنا إلى البيت. وبعد وجبة غداء، تشبه أي وجبة نتناولها في الناصرية أو البصرة، صعدنا لغرفة الفنان الخاصة في الطابق الأول، حيث يرسم وينام. وعلى الأرض والجدران توزعت أدوات الرسم واللوحات، المكتملة منها وغير المكتملة، كأن ما فيها من أفكار تبحث عن تأطير، وألوان مازالت في مراحلها الأولية. أثارت انتباهي تخطيط الوجوه الريفية الجنوبية التي بدأ برسمها على مساحة لوحة متوسطة الحجم.. بعد ذلك دارت الأحاديث والنقاشات عن المواضيع الفنية والأفكار التي تجول في ذهنه ومخيلته، وكيفية التعبير عن الواقع أو ما يريد الفنان قوله؟ وعن آرائه فيما يحدث والأسلوب الأفضل للتعبير عنها وطرق التعامل مع السطوح التصويرية، ركزت في حديثي على تلك الوجوه التي تريد أن تكتمل وتنط من القماش الى الواقع.. بعد أكثر من ثلاثة ساعات عدنا إلى الوزيرية حيث مشغل سلام وتركنا وجوه الفنان مهدي تحدق فيه وتطلب المزيد من الألوان والظلال.
لا أتذكر أنني شاهدت أي لوحة مكتملة للفنان الشاب مهدي العيّاش قبل افتتاح معرضه الشخصي الأول الذي عرض فيه سبع لوحات فقط، والمقام حاليا في قاعة كاليري الفنان سلام عمر؛ الذي عاد في 2020 إلى العراق، تاركا عمله أستاذا للفن في إحدى جامعات تركيا، ليعيد فتح مشغله الذي هجره بسبب الحرب والتهجير والإرهاب، ويلتف من حوله مجموعة من الفنانين الشباب كي يتحول المكان إلى فضاء يلتقي فيه الفن بالعمل والنشاطات الفنية بالحياة اليومية والفعاليات المتنوعة، لكي ترسم مشهدا آخر في بلد ما زال مغطى بالخراب والعشوائية والإهمال والكسل.
حمل المعرض عنوان (دعوة) وفي ملصقه لوحة لرجل عربي بدين يعتمر العقال والكوفية يرفع قبضته اليمنى المحشية بقفازات ملاكمة، معلنا أن خصمه الذي يسقط على أرضية حلبة الملاكمة قد هُزم بالضربة القاضية، فيما تسطع في أعلى يمين اللوحة قبّة مسجد الأقصى الذهبية. لوحة تعيد صلتك بالواقع الذي نعيش يومياً، واقعاً عربياً لا تتوقف آلامه ولا فواجعه، كإبادة الفلسطينيين مثلاً. كأن الفنان في هذه اللوحة المسماة «الضربة القاضية» قد حسم المعركة بطريقة غير واقعية، ربما تتحقق مستقبلا، وهذا ما يشعر به من يتأمل نظرات الملاكم العربي وقبضته المرفوعة بانتصار. ألا يبدو الأمر يشبه من الحلم أو ربما يكون عزاءً لنا على نحو ما، من استمرار جريمة إبادة المدنيين الفلسطينيين؟ بيد أنني أذهب أبعد قليلا من ذلك الإحساس؛ إنه استشراف لنهاية بعيدة ربما، ولبداية رفض ويقظة تتزايد رقعتها في عالم يسوده صمت طويل.
ينتقل الرجل البدين ولا يختفي من على سطوح لوحات الفنان الشاب مهدي، ففي مشهد غرائبي، أكثر مما نشاهده في حياتنا وتجولنا اليومي، ثمة لوحة الرجل وزوجته -هكذا تبدو- يجلسان على قارب نهري مقلوب، تحلق فوق رأسيهما نوارس تشبه تلك التي تحلق فوق رؤوس الواقفين على جسر الشهداء، الرابط بين ضفتي بغداد، في مشهد يبدو ساحرا لمن يراه للمرة الأولى، بينما هو ليس كذلك لمن يجلس على رصيفه يبيع رقائق البطاطا لمن يريد التقاط صورة شخصية أمام النوارس وهي تلتقطها في الهواء. لكن الحقيقة أن الصورة مخادعة لا سحر فيها!. فنهر دجلة يشح الماء فيه ويُهمل عطشه! حيث الرجل في اللوحة يمسك بيده علامة تحذيرية تنبه سائقي السيارة من السقوط في النهر، المصاب أصلاً بالجفاف! أما الزوجة فتمسك بمجداف في لحظة رومانسية تلتمع عيناها حيرةً وانتظاراً! ، بدليل نبات الصبار الذي نمت أشواكه وكبرت أوراقه على جانبي القارب! بينما يتوارى جزء من كرة قدم خلفه، قد تبدو الكرة هنا بلا معنى، لكنها تأكيد على غرائبية المشهد كله.
يستمر الرجال البدينين بالانتقال من سطح إلى آخر ومن مشهد البحر إلى مطبخ منزلي تحولت أرضيته إلى ممر سباق مسافات طويلة، يركض عليه أربعة رجال بزي رياضي ويضعون على صدورهم أرقامهم المُنافِسة، من دون أن يخلعوا من على رؤوسهم كوفيتهم وعقالهم، كأنهم يبتسمون وهم يرمقوننا بذات العيون الحيارى! فيبدو المشهد سريالياً، للوهلة الأولى، لكنه في ذاته، يحاكي الرغبات التي تدفعنا لمزاولة الرياضة في البيت، محولين امكنتنا الصغيرة إلى ساحات للحركة والرياضة؛ حتى وإن بدا ذلك غير معقول! وهنا قد تبدو «دعوة» الفنان غير واقعية! فالمساحات الضيقة لا تصلح لمزاولة الرياضة؛ إلا في حالة الحركة الموضعية التي تتيحها أجهزة المشي الكهربائية. لذلك تبدو الإشارة واضحة لحاجتنا إلى الفضاءات المفتوحة وإلى هواء نقي إختفى من سماوات بغداد.
وفي لوحة أخرى، يظهر فيها رجل وإمرأة يمسكان بحقائب سفر من ماركة (Louis Vuitton) الفرنسية، ويحملان ذات النظرة الحيرى المتسائلة عن جدوى الأشياء كالسفر أو المتعة. ولنا أن نتساءل هنا عن الرغبة في السفر هل هي للمتعة أم للهجرة؟ يبدو الرجل الذي يطوق عنقه علم بلاده؛ ذلك التعلق العاطفي بأرضه، مثل مشجعي الفرق الرياضية في مدرجات الملاعب يتزينون بالأعلام والشعارات التي تعبّر عن مشاعر الحب لأوطانهم أكثر من الألعاب نفسها!. ويبدو أن الفنان هنا لم يستطع الإفلات من هيمنة الوقائع -التي تفرقعت كلها فوق رأسه- على العراقي الذي وجد نفسه فاتته الرحلات جميعها وحين وصلها كان متأخراً؛ إذ تحتم عليه البقاء لتنظيف الشوارع من حديد الحروب وبقايا مفرداتها في الملابس وفي الأحاديث! كأنه الجندي الذي لم يتسرّح بعد من الخدمة العسكرية! وها هو يفكر بالسفر، يأخذ زوجته وحقائب لماركة شهيرة لكنها، مقلّدة، ويقفان بانتظار من يقلهما إلى المحطة الأخيرة، عسى أن تختفي الحيرة من عينيهما إلى الأبد وتعود البلاد نقية في الصباحات وعلى الجسور تتكاثر النوارس ويزول الفقر في عيون مسافريه.
إن أسلوب تضخيم أجساد الشخوص في الفن ليس جديداً، فهو موجود في المنحوتات السومرية والحضارات القديمة كالأفريقية وفنون العصور الحجرية. والتضخيم ينطوي على دلالات معينة، مثل الخصوبة والعطاء ووفرة المشاعر وطاقتها التعبيرية العالية، إضافة إلى ما تحمله من جماليات وحداثة. وفي لوحات مهدي، قد تبدو البدانة -لا التضخيم- عائقا أمام تحرر الجسد. ويمنع العاطفة من أن تترشق وتزيل طبقات الغرائز المتورمة خارجها؟ لكنه -أي التضخيم- هنا غير مُبالغا فيه ولا يثير حسا كاريكاتيريا. فهو ينطلق من فكرة اختلال التوازن؛ ربما؟ في أجساد فئة معينة من الناس، بعضهم بسبب السمنة المفرطة لمن استثرى بشكل مفاجئ أو سريع؛ وهذا الثراء الذي يبدو غريبا هو الآخر، قد خلق غرابته الخاصة بين أجزاء ومفردات اللوحات جميعاً! فالشخوص يبدون غرباء عن مفردات محيطهم وغير مناسبين لمواقعهم..! تماما مثلما يشعر الكثير منا اليوم بغرابة ما يحيط بنا من خراب وقبح، يبدأ فصوله من أول النهار إلى آخره، مؤطراً بشتى أنواع التلوث والروائح الغريبة والمداخن العشوائية التي تزكم أنوف المدن قبل الناس.
وأخيراً قد يطرح معرض الفنان مهدي العيّاش في “دعوته” تساؤلاً واضحاً: هل يمكننا الحركة ومزاولة الرياضة خارج فضاءاتنا الضيقة؟ ألسنا بحاجة لدعوة أخرى تسبقها لحياة مغايرة؛ لإستعادة الفضاءات المُصادَرَة والمُختَفية من مدننا أولاً؟ فهل ستكون هذه الدعوة مؤثرة، في مشهد تزداد فيه البدانة وتهدد أجسادنا وحياتنا وعقولنا من بدانة الأفكار وسمنة الغرائز الآخذة بالتورّم خارج ثياب المعقول؟.

