ثقافة وفن

في معرض (وَرْد) لآمنة العزّاوي:عن هشيم الحياة العائلية في الأواني

حيدر عودة
في مطوية المعرض الأول للخزّافة الشابة آمنة العزّاوي، المعنون: «وَرْد»، تقودنا الكلمة، التي قدّمها الكاتب علي البزّاز، إلى عالم المهشَّم عبر اقتراح عميق لقراءة المعرض بوصفه «أنطولوجيا المهشَّم». فقد كتب: “لم تعد الأشياء المفرطة في هشاشتها وانكساراتها وتهشّمها تلتحق، بالضرورة، بالزائل والمُهمَل وعديم الجاه، بل أصبحت من مهمات الفن أن يمنحها الجاه والمنزلة. فالزجاج المهشّم، والروح الإنسانية المنكسرة، والهامشي والغريب، لم تعد جميعها خارج دائرة الاعتبار الجمالي، بل أصبحت من تطلعات الفن المعاصر، الذي يسعى إلى منحها شخصية اعتبارية ومعنوية، فضلًا عن شخصيتها التشكيلية». فآمنة كخزّافة تسعى للبحث عن شكل جديد تقدّمه، أو تضيف من خلاله لمسة فنية عبر الخزف، هذه المادة القابلة للكسر السريع عند سقوطها من ارتفاع قصير، مثل المسافة بين المائدة والأرض. هل كانت الفنانة قد اختارت الخزف فقط لأنه قابل للكسر؟ أم لأنها امرأة، وقد اقترنت، عبر التاريخ الإنساني، بقابليتها للكسر في مواجهة عالم الخشونة والصلابة والقسوة، الذي استحوذ عليه الرجل منذ الخليقة؟
تنتمي أعمال الفنانة العزاوي، في المعرض المقام حاليًا في قاعة (Salam Art Gallery) إلى مزيج من الفن التركيبي والمفاهيمي والبوب آرت. فالخزف، بوصفه مادة وفناً، يتعارض مع الخشونة، كما أنه، بوصفه حاجة ووظيفة، ارتبط بأواني الطعام والزهريات وقناني الماء والعطور والأدوية، وحِفظ الأشياء الخاصة. ناهيك عن قابليته في عرض النقوش والرسوم والأشكال الفنية البارزة، وكذلك المنمنمات وتدوين الحكايات والمعارك والانتصارات والطقوس والقوانين والرموز التي تنطوي على الأسرار. وكلها تحمل لمسة أنثوية وعملاً ارتبط بالدقة والصبر، وبروح المرأة بوصفها إنسانًا يجيد العناية والاهتمام والجمال. في المقابل، ارتبطت الخشونة في تقديم الخزف، والغرائبية في التركيب والتعامل معه، وتهجينه أو دمجه بمواد أخرى لتغريبه أو تغيير عناصره، بالرجل! وربما كانت محاولة منه لعكس مشاعره الكامنة، كالغضب أو الرفض أو الرغبة في التمرد.
في معرِض حمل عنواناً ارتبط بالدقة والنعومة والرقة، «وَرْد»، لكنه جاء من هشيم الأواني الخزفية التي جُمعت على شكل وردة جوري (Rose)، والمعروفة بتجاور وريقاتها حول بعضها بعضاً، على نحو لا يسمح للرياح بكسرها وتشظيها بسهولة. وقد بدا لي اختيار هذا النوع من الأزهار، لأنه الأقرب إلى مفهوم العائلة ورمزيتها الروحية لدى الإنسان. فبعد أن كان الإنسان فردًا، جاء اكتشاف العائلة بوصفه حلاً ودواءً لوحدته. ومن جهة أخرى، أقدمت الفنانة آمنة على الاستعانة بالتهشيم بوصفه مفهوماً وأداة لزرع حديقتها العائلية الخاصة. لكن ليس تلك العائلة السعيدة والآمنة، بل المتشظية والمبعثرة والمشتتة، الباحثة عن وجودها مجدداً وعن قيمة حياتها ومعناها. تتشارك مع هواجسنا الآن، ونحن نصارع ونناضل من أجل استعادة صورة العائلة الضائعة من ألبوم ذكرياتنا وتكوّننا. صورة يتجاور فيها بعضنا مع بعض حول المائدة، مستطيلة كانت أم مستديرة، أم مفتوحة على الأرض، نلتف حول الأواني المقدسة كوردة صلبة.
قدّمت العزّاوي، عبر اثنين وثلاثين عملاً تركيبياً من هشيم الأواني الخزفية، سبعة منها بأحجام كبيرة وُضعت على مائدة مستطيلة بأغطية بيضاء مطرزة بورد أبيض، يشبه في تنسيقه الحفلات الخاصة. بينما عُلّقت البقية، كل واحدة منها داخل صندوق أسود على الجدران. وهي بهذا الفعل لم تعامل الأعمال كلوحات بارزة معلقة على الجدران فحسب، بل كقصص يمكن للمتلقي تأمل أجزائها، أو شظاياها، أو البحث في فراغاتها عن صورة عائلية كانت ذات يوم تلتف على نفسها مثل وردة رائعة. فالشظايا يمكن أن تكون ذات قيمة أيضاً حين نستعيد مهارتنا وذكاءنا وصبرنا لترميم صورتنا بصمغ الأمل.
في معرض تركيبي ومفاهيمي بامتياز، حاولت الفنانة آمنة العزّاوي تجميع ما لا يُجمع، وصقل المكسور الجارح حين يكون متجاوراً. فمنحت الأعمال معنى آخر، ووظيفة جديدة، ودوراً مغايراً، ليصبح الشيء المهشَّم غير قابل للكسر حين تتأمله بوصفه وجوداً متكاملاً، لا كعزاء لحياة ضائعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى