نازك الملائكة.. شـاعـرة التجـديد التـي ثـارت ضد فحولة الشعر العربي

علاء المفرجي
بداية مسيرتها
ولدت نازك الملائكة في بغداد لأسرة مثقفة، كانت والدتها سلمى الملائكة تنشر الشعر في المجلات والصحف العراقية باسم أدبي هو «أم نزار الملائكة» وكانت تحبب إليها الشعر مما كان له أكبر الأثر في تنمية موهبتها، وكانت تحفظها الأوزان الشعرية المشهورة (التي حددها علم العروض)، أما أبوها صادق الملائكة فترك مؤلفات أهمها موسوعة «دائرة معارف الناس» في عشرين مجلداً. اختار والدها اسم نازك تيمناً بالثائرة السورية نازك العابد، التي قادت الثوار السوريين في مواجهة جيش الاحتلال الفرنسي في العام الذي ولدت فيه الشاعرة. جدتها لأمها هي الشاعرة هداية كبة ابنة العلامة والشاعر الحاج محمد حسن كبة، وخالاها «جميل الملائكة» و«عبد الصاحب الملائكة» وهما شاعران معروفان وخال أمها الشيخ محمد مهدي كبة شاعر وله ترجمة رباعيات الخيام نظماً.
درست نازك اللغة العربية وتخرجت عام 1944، انتقلت إلى دراسة الموسيقى ثم درست اللغات اللاتينية والإنجليزية والفرنسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصلت في عام 1959 على درجة الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ويسكونسن ماديسون في الولايات المتحدة بامتياز. عملت في التدريس في جامعة بغداد ثم جامعة البصرة ثم جامعة الكويت. انتقلت للعيش في بيروت لمدة عام واحد ثم سافرت عام 1990 إثر حرب الخليج الأولى إلى القاهرة حيث أقامت هناك حتى توفيت في صيف عام 2007م .حصلت نازك على جائزة البابطين عام 1996، كما أقامت دار الأوبرا المصرية يوم 26 مايو/أيار 1999 احتفالاً لتكريمها بمناسبة مرور نصف قرن على انطلاقة الشعر الحر في الوطن العربي والذي لم تحضره بسبب المرض وحضر عوضاً عنها زوجها الدكتور عبد الهادي محبوبة، لها ابن واحد هو البراق عبد الهادي محبوبة.
تعد نازك الملائكة من رواد الشعر الحر، الذى بدأته مع قصيدة الكوليرا عام 1947م، وأصدرت نازك أوّل دواوينها عام 1947م تحت عنوان عاشقة اللّيل، وقد التزمت فيه قواعد الخليل بن أحمد الفراهيدي، وتدور أغلب قصائد ديوانها الأوّل حول عواطفها ومآسيها، ثم أخرجَت ديوانها الثّاني بعنوان «شظايا ورماد» عام 1949م، حيث خرجَ شعرُها فى ثوب الشّعر الحرّ متأثرة وبوضوح بقراءاتها الواسعة للشعر الإنجليزي.
مؤلفاتها
مجموعاتها الشعرية: عاشقة الليل (1947)، نشر في بغداد، وهو أول أعمالها التي نشرت. شظايا ورماد (1949) – عدة طبعات
قرارة الموجة (1957)، شجرة القمر (1968)، يغير ألوانه البحر (1977)، مأساة الحياة وأغنية الإنسان (1977)، الصلاة والثورة (1978). قصيده الشهيد. ديوان نازك الملائكة (الأعمال الشعرية الكاملة) – عدة طبعات، المختار من شعر نازك الملائكة
مؤلفاتها: قضايا الشعر المعاصر (1962) – عدة طبعات، التجزيئية في المجتمع العربي (1974)، وهي دراسة في علم الاجتماع.
سايكولوجية الشعر (1992)، الصومعة والشرفة الحمراء (1965). مآخذ اجتماعية على حياة المرأة العربية، ومجموعة قصصية، «الشمس التي وراء القمة» عام (1997). صدرت في القاهرة
قصيدة الكوليرا
تَجَلَّت بَراعَتها الإبداعية في مقالٍ بعنوان “الكوليرا”، مستوحى من التقارير الإذاعية عن تصاعد الوفيات بسبب المرض في مصر. وبحماسة، أسرعت إلى أختها إحسان، لاهثة الأنفاس من الترقب. فأَعلَنَت وهي حَريصة على مشاركة انتصارها: “لقد نسجت نوعًا مختلفًا من الشعر”. لكن لم يشاركها الجميع حماسها.
كانت أختها من أشد المؤيدين لها، لكن والدتها أظهرت القليل من الحماس، وانتقدت غياب الموسيقى الشعرية. وبالمثل، سَخِرَ والدُها من جُهودها، وتوقع لها الفشل. ومع ذلك، وبإصرار لا يتزعزع، أعلنت نازك بثقة: “قُل ما شئت، فأنا على يقين أن شعري سيغير خريطة الشعر العربي”.
في أكتوبر 1947، كتبت القصيدة بأسلُوب الشعر الحر. لم تستسغ والدتها التّجربة أول الأمر، فقالت بـ”حنان” لاذع: “ما هذا الوزن الغريب؟ إن الأشطر غير متساوية، وموسيقاها ضعيفة يا بنيتي”. أما الأب، فهو الآخر لم تطربهُ هذه القصيدة… وردّ عليها ببيت شعري يقول فيه:
لكل جديد لذة غير أنني … وجدت جديد “الموت” غير لذيذ.
غضبت نازك وقالت بصوت عالٍ: “قل ما تشاء. إني واثقة أن قصيدتي ستغيّر خريطة الشعر العربي”… وذاك ما كان فعلاً!
قدم الكاتب الكويتي دراسة مستفيضة دوش فلاح الدوسري بعنوان: نازك الملائكة تحولات الرؤية و الفن دراسة في أعمالها الشعرية الأخيرة (للصلاة و الثورة – يغير ألوانه البحر- الوردة الحمراء)
إن قراءة الأعمال الشعرية الأخيرة لنازك الملائكة تلقي في روح المتلقي/الناقد روحاً أخرى مختلفة عما عهد عن نازك الشاعرة القلقة المحبة للعزلة، المتشائمة الثائرة ،إذ يجد تحولات واضحة حملت ملامح مختلفة. جاءت هذه الأعمال الشعرية الأخيرة بعد صمت شعري طويل استمر ثلاث سنوات (1969 – 1972م) ولاشك أن هذه الفترة حافلة بتغيرات كبيرة،فقد حملت هذه الأعمال تحولات هائلة للشاعرة ، على صعيد الإبداع من زاوية الرؤية،تبع ذلك تحولات أخرى على صعيد الأدوات الفنية. وهذا الموقف يشكل اقتناصة مذهلة للناقد تقدح فيه شرارة النقد بخصوبة وحيوية وألق، وتفتح له آفاقًا جديدة للبحث. فهذا البحث يطمح إلى دراسة أعمالها الشعرية الأخيرة، بعد صمتها الشعري، والكشف عن التحوُّلات الواضحة في شخصها وفكرها، وأثر هذه التحولات في أدواتها الفنية.فنازك أحد الأصوات المهمة والرائدة والمؤثرة في مسيرة الشعر العربي.
في كتابها “سيكولوجية الشعر ومقالات أخرى” ،
نجنزء بعد أكثر من عشرين عامًا من صدور الطبعة الأولى في بيروت عام 1979م. «ولأن ما تثيره “نازك الملائكة” في هذا الكتاب، يُعَدُّ ساري المفعول حتى الآن، فإن طبعته الثانية تُعَدُّ طبعة أولى، فحديث “نازك” لا يزال مطروحًا على الساحة الأدبية، والقضايا التي تثيرها لا تزال طازجة، والكتاب بأبوابه الأربعة لا يزال قابلاً للعرض والطرح والنقاش، خاصة أن هناك أجيالاً شعرية جديدة نَمَت وتَرَعْرَعت في السنوات السابقة، وربما لم يُتَح للكثيرين منهم قراءة كتاب “نازك” في طبعته الأولى الذي يكاد يكون الجزء الثاني من كتابها المهم “قضايا الشعر المعاصر”، وهي تؤكد ذلك بقولها في المقدمة: “يكاد كتابي هذا يكون الجزء الثاني من كتابي “قضايا الشعر المعاصر”؛ لأنني أتناول فيه بقية القضايا التي لم تَرِد في الكتاب الأول”.
صدر الكتاب في طبعته الجديدة عن سلسلة “كتابات نقدية” التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة بمصر، وأخذ رقم 98 في هذه السلسلة الشعبية التي يرأس تحريرها الناقد الدكتور مجدي توفيق، ووقع في (382 صفحة)، وتعرضت الشاعرة في الفصل الأول إلى الجانب السيكولوجي من الشعر، فتحدثت عن الشاعر واللغة، والقافية في الشعر العربي الحديث، وسيكولوجية القافية، وسيكولوجية القصيدة المُدَوَّرَة.»
وعن الشاعر واللغة ترى نازك الملائكة أن الشاعر لا بد أن يُوَثِّق صلته باللغة وقوانينها بحيث تصبح مَلَكَة اللغة فطرة في نفسه يغرف منها بلا انتهاء، فيبدع الصور والموسيقى، ويأتي بأروع الأنغام دون أن يخرج على أسس اللغة وقواعدها. وبهذا تَرُدُّ “نازك” على شائعة انتشرت بين أدباء الوطن العربي – وقت تأليف الكتاب وأعتقد أنها ما زالت منتشرة حتى الآن – مضمونها أن الغلط في قواعد النحو واللغة مباح كل الإباحة في الشعر.
وعن القافية في الشعر العربي الحديث، تدعو الشاعرة – بل تتمنى – أن يتمسك الشاعر المعاصر بالقافية ولا يتفلت منها؛ لأنها جزء أساسي من موسيقى الشعر لا يصح الاستغناء عنه. وفي هذا الفصل رصدت “نازك” بعض محاولات الخروج على القافية الموحدة بدأت منذ العصر الجاهلي، حيث نسب إلى امرئ القيس نوع من أنواع الموشح سَمُّوه “المُسْمَط” كان فيه خروج مبكر على نظام القافية الموحدة.
عزلتها في القاهرة
عاشت نازك الملائكة سنواتها الأخيرة في القاهرة، في عزلةٍ اختيارية، حتى وافتها المنية في العشرين من يونيو عام 2007م، عن عمرٍ ناهز الثالثة والثمانين عاماً. رحلت نازك بجسدها، لكن روحها ظلت ترفرف في سماء الشعر العربي، وكلماتها لا تزال تنبض بالحياة في قلوب محبي الأدب. لقد كانت نازك الملائكة أكثر من مجرد شاعرة؛ كانت ظاهرةً ثقافيةً، ورائدةً شجاعةً فتحت آفاقاً جديدةً للإبداع العربي. إن إرثها الشعري والنقدي سيظل منارةً تهتدي بها الأجيال القادمة، وشاهداً على أن الكلمة الصادقة، النابعة من أعماق الروح، قادرةٌ على اختراق حجب الزمن، والبقاء خالدةً في ذاكرة التاريخ. رحم الله نازك الملائكة، عاشقة الليل، ورائدة التجديد، التي علمتنا كيف نكتب الشعر بحرية، وكيف نصغي إلى إيقاع الحياة المتجدد.
أنّثت القصيدة وثارت ضد فحولة الشعر العربي
كتب الناقد فاضل ثامر فاضل ثامرمقالا بمناسبة 15 عاماً على رحيل رائدة الشعر الحديث
كان استذكار الأوساط الثقافية العربية والعراقية هذه الأيام الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الشاعرة نازك الملائكة الذي صادف العشرين من يونيو (حزيران) عام 2007، مناسبةً لإعادة قراءة منجز هذه الشاعرة الرائدة بشكل خاص، ولإعادة تقييم منجز حركة الحداثة الشعرية الخمسينية بشكل عام، والتي كانت الشاعرة نازك الملائكة طرفاً أساسياً فيها.
ومن القضايا الخلافية التي أثارتها هذه المناسبة إشكالية مفهوم الريادة في حركة الشعر الحر، التي كان يتنافس عليها الشاعر بدر شاكر السياب والشاعرة نازك الملائكة. ومن الإشكاليات الثقافية الأخرى التي وُضعت موضع المساءلة قضية تأنيث القصيدة العربية، هذه القصيدة التي ظلت طيلة أكثر من خمسة عشر قرناً تقترن بالفحولة وهيمنة المنظور الذكوري عليها. كما توقف النقاد والباحثون أمام الدوافع الحقيقية لنشوء حركة الحداثة الشعرية التي تمحورت حول ظهور حركة الشعر الحر.
وكان النقد العربي الحديث قد شهد عام 1954 حواراً نقدياً خصباً حول ريادة حركة الشعر وانقسم المتحاورون بين من يرى أسبقية قصيدة «الكوليرا» للشاعرة نازك الملائكة، ومن يرى أسبقية قصيدة «هل كان حباً؟» للشاعر بدر شاكر السياب.
وقد انطلق ذلك الحوار مباشرةً بعد أن نشرت مجلة «الآداب» قصيدة السياب الحرة الموسومة «هل كان حباً؟» عام 1954، وقد أسهمت مجلة «الأديب» فضلاً عن ذلك وعدد من الصحف والمجلات العربية والعراقية في هذا الحوار الخلافي.
وكانت الشاعرة نازك الملائكة قد ذكرت في كتابها «قضايا الشعر المعاصر» الصادر عام 1962، وكذلك في دراستها الموسومة «حركة الشعر الحر في العراق» المنشورة في العدد الأول من مجلة «الآداب» اللبنانية الصادر عام 1953، أن قصيدتها «الكوليرا» كانت أول قصيدة حرة الوزن، حيث نشرت لأول مرة في السابع والعشرين من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 1947 قصيدتها «الكوليرا» في مجلة «العروبة» اللبنانية، أي بعد شهرين من كتابتها. وسبق للشاعرة أن كشفت عن الظروف التي حفّزتها على كتابة قصيدتها تلك، والتي اقترنت بانتشار مرض الكوليرا في مصر وتسببه في موت الآلاف من الضحايا، مما جعلها تشعر بالتعاطف مع ضحايا الكارثة، وتشرع بكتابة قصيدتها التي لم تستغرق منها سوى ساعة واحدة، ويبدو أنها لحماستها وانفعالها لم تتقيد بالضوابط التقليدية للقصيدة الخليلية وأوزانها وقوافيها، فأحدثت خروجاً غير مألوف على الوزن والقافية، وإهمالاً واضحاً لوحدة القافية. وقد بادرت الشاعرة مباشرةً لعرض القصيدة على شقيقتها إحسان التي رحّبت بها وبالتغييرات التي أحدثتها، لكنّ القصيدة قوبلت بالرفض من والديها، وكانا شاعرين تقليديين، وأكدا أنها ستواجه الفشل والرفض، لكنها قالت لهما بثقة إن قصيدتها هذه ستغيِّر مسار الشعر العربي. ويبدو أن نبوءتها تلك كانت صائبة إلى حد كبير. فقد كانت القصيدة، فضلاً عن قصيدة السياب، حافزاً للخروج من حالة الجمود، والانفتاح على التجديد والمغايرة، وطرح الأنموذج الشعري الجديد الذي اعتمد على عدد التفاعيل المتغيرة في البيت الواحد، وتجاوز شكل العمود الشعري التقليدي القائم على نظام الشطرين.
وكان الشاعر بدر شاكر السياب، من جهة أخرى، قد كتب في مجلة «الآداب» اللبنانية عام 1954، تعقيباً على الحوار الذي أطلقته قصيدته «هل كان حباً؟» أن ديوانه الأول «أزهار ذابلة» المطبوع في مصر، وصل إلى العراق عام 1947، وكانت قصيدته «هل كان حباً؟» ضمن قصائد الديوان وتحمل تاريخاً سابقاً هو 29-11-1946، كما أن مقدمة روفائيل بطي للديوان كانت مؤرخة بتاريخ 31-10-1947، إلا أن الديوان لم يصل إلى العراق إلا عام 1948. وهذا التاريخ يجعل السياب في رأي عدد من النقاد، الرائد الأول لكتابة قصيدة «الشعر الحر» آنذاك، وهو أمرٌ لا يتفق عليه أكثر النقاد الذين يرون أن موضوع الريادة أوسع من ذلك بكثير، ولا يمكن أن يقتصر على من نشر أول قصيدة من الشعر الحر، أو كما يقال «مَن علّق الجرس أولاً؟»، لأن للريادة اشتراطاتها الخاصة وضوابطها الفنية والاجتماعية والثقافية، كما أن مسألة البدايات ليست هي المعيار الوحيد الذي يمكن الاحتكام إليه دائماً، بسبب ظهور قصائد كثيرة قريبة من شكل قصيدة الشعر الحر، كُتبت قبل هذا التاريخ، منها قصائد للشاعر علي أحمد باكثير، والشاعر محمد فريد أبو حديد، والدكتور لويس عوض الذي أصدر ديواناً شعرياً كاملاً باسم «بلوتولاند» عام 1947.
أيقونة الشعر العربي
وتحت عشرة عناوين بارزة لأهم دواوين وكتب وقصائد الشاعرة الرائدة نازك الملائكة، يسرد ثلة من الأدباء والنقاد والشعراء أهمّ المفاصل الأدبية والشعرية والنقدية في حياة الشاعرة، ومنهم وزير الثقافة المصري سابقا جابر عصفور وأستاذ الأدب في جامعة عين شمس محمد حسن عبد الله والشاعر العراقي ميثم الحربي وآخرون.
كما يتحدثون عن أبرز سماتها الريادية في تجديد شكل النصّ الشعري العربي «الشعر الحرّ» ورؤاها الكونية الفلسفية ووطنيتها وقوميتها وإنسانيتها التي بدت واضحة جلية في غالبية أعمالها الشعرية، ويتناولون أيضا جانبا من حياتها الشخصية والاجتماعية، وبمصاحبة بعض المشاهد التمثيلية والصور الفوتوغرافية الشخصية للشاعرة نازك الملائكة، التي كان لها الأثر الكبير في تكوين صورة ذهنية قريبة وواضحة للذين لم يعرفوا عن نازك ولم يقرأوا عنها ولها كواحدة من أهم أعلام الشعر العربي، وكاسم متنوع الاهتمامات وغزير الإنتاج، وكصاحبة مبدأ تدافع بشراسة عنه.
النزعة الإنسانية في شعرها
يستهدف هذا البحث إبراز النزعة الإنسانية في شعر نازك الملائكة. كانت نازك الملائكة من رواد التطور الشعري لأنها شاعرة الإبداع والتجديد وناقدة في قضايا الشعر العربي. تتحدث في شعرها عن موضع الإنسان وعن سر وجوده وعن عجزه وعن معرفة الكون الغامض وألغازه وتعبر عن أحاسيسها وعواطفها وخلجاتها النفسية التي تتكون مرآة لآرائها وأفكارها. يتميز شعرها بالحساسية المفرطة وبالألم الحاد كما يمثل شعر المرآة الشرقية التي كانت تحلم أن تحقق أحلامها في بداية عمرها عن غد موعود ولكنها رأت في الحياة الحقيقية الصرامة والتزمت والقيود. فحصرت نفسها في قوقعة الدموع، ولا شيء غير الدموع. إن شعر نازك الملائكة يعبر من حيث المبنى والمعني عن الكبت النفسي والتمرد. ولم يكن ذلك غريبا لفتاة عربية شرقية نشأت في بيئة محافظة ثم انطلقت إلى آفاق العالم الرحيب. لقد تجلت النزعة الإنسانية في شعر نازك الملائكة منذ عهد مكبر وأمسكت من روح الإنسان الذي يحب لغيره ما يحب لنفسه. فالشاعرة في حبها للوطن ودعوتها إلى الوحدة العربية والثورة على الاستعمار والصهيونية دائما تدعو إلى النزعة الإنسانية. كانت لنازك الملائكة رسالة تدفعها إلى السمو بالإنسانية إلى أرفع مكان تستهلها بحيث لا يكون لها من هدف إلا الحرية والعدل.

