فائق حسن: الرسم والتعليم وذاكرة العراق

فؤاد ميرزا
حين أراجع سيرة فائق حسن لا يغريني أن أبدأ من صفة <الرائد> ولا من كثرة المعارض ولا من الحكايات التي تحيط عادةً بسير الفنانين الكبار. ما يشدني أولاً هو شيء أبسط: هذا الرجل عاد من باريس وهو قادر على أن يختار حياة الفنان الفرد، يرسم ويعرض ويترك السوق والنقاد يقرران مصير لوحاته، لكنه أمضى جزءاً كبيراً من عمره في الصف والمرسم والرحلات مع الطلبة والأصدقاء. عندي، هنا تبدأ أهميته الحقيقية. الفنان الجيد يترك لوحات، أما الفنان الذي يعلّم ويؤسس ويفتح أعين الآخرين على ما حولهم فإنه يترك طريقة في النظر.
فائق حسن في مرسمه ببغداد، وإلى جانبه إحدى لوحاته عن الخيول. من الأرشيف المصوّر المرفق بالبحث.
ولد فائق حسن في بغداد سنة 1914، وفقد أباه في وقت مبكر، ونشأ قريباً من بيئة شعبية ومن حدائق العاصمة وناسها وحيواناتها. وتروي سيرته أن موهبته لفتت الانتباه باكراً، قبل أن تقوده بعثة حكومية إلى المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس، حيث تخرج سنة 1938. لا أحب كثيراً أن نحوّل هذه البداية إلى أسطورة عن طفل اختاره القدر. الموهبة وحدها لا تصنع فناناً كبيراً. ما يهمني هو ما جرى بعد ذلك: التدريب، والدراسة، والنظر الطويل، ثم العودة إلى العراق من غير أن تتحول باريس إلى وطن بصري بديل.
عاد وهو يعرف قواعد الرسم الأكاديمي، والتشريح والمنظور وبناء الكتلة واللون، لكنه لم يعد لكي يكرر ما رآه في المتاحف الفرنسية. كان أمامه سؤال يخص جيله كله: كيف يتعلم الفنان من أوروبا من غير أن يصبح نسخة منها؟ وكيف يرسم العراق بوسائل حديثة من غير أن يحوله إلى مشهد شرقي معدّ للفرجة؟ أرى أن فائق حسن أجاب عن هذا السؤال بالعمل أكثر مما أجاب عنه بالكلام. ظل العراق حاضراً في الخيل والقرى والأسواق والقرويين والعمال والنساء والوجوه العادية، حتى حين تبدل الأسلوب وانتقل من الواقعية إلى الانطباعية ثم اقترب في مراحل أخرى من الاختزال والتجريد.
من أعمال فائق حسن في موضوع الفروسية والخيل، وهو أحد الموضوعات التي رافقت تجربته طويلاً.
بعد عودته ساهم في بناء التعليم الفني الحديث في بغداد، وتولى مسؤوليات أساسية في قسم الرسم بمعهد الفنون الجميلة. لم يكن التعليم عنده عملاً ثانوياً إلى جوار الرسم. كان جزءاً من مشروعه. درّس اللون والمنظور والتشريح والتصميم وتاريخ الفن، وترك أثراً في أجيال متعاقبة من الطلبة. ولهذا التصق به لقب «المعلم». لا أفهم اللقب هنا بوصفه مجاملة عمرية، بل بوصفه وصفاً لوظيفته الثقافية.
المعلم الحقيقي، في رأيي، لا يصنع تلاميذ يشبهونه. يساعدهم أولاً على امتلاك الصنعة، ثم يترك لهم حق الاختلاف. وهذا ما يبدو واضحاً في المناخ الذي صنعه فائق حسن مع زملائه في المعهد ومع طلبته. كان يخرج بهم إلى الجادرية والأعظمية وإلى مناطق أخرى، يرسمون في الهواء الطلق ويختبرون الضوء والتراب والنهر والوجوه مباشرة. ما يتعلمه الطالب أمام شجرة أو حيوان أو سوق أو وجه متعب لا تمنحه له نسخة جبسية مهما كانت دقيقة.
فائق حسن وهو يتدخل مباشرة في لوحة أحد الطلبة خلال رحلة فنية في مصيف صلاح الدين. الصورة توضح طبيعة التعليم العملي الذي عُرف به.
من هذه الرحلات ومن شبكة الزمالة التي تكونت حوله ظهرت جماعة الرواد. لم تكن الجماعة تنظيماً عقائدياً له بيان مغلق، وكانت أساليب أعضائها مختلفة. الذي جمعهم كان أقرب إلى موقف عملي: الخروج من المرسم، ومراقبة الحياة العراقية، والبحث عن موضوع يولد من المكان والناس، لا من الكتب وحدها.
هنا أجد جانباً مهماً في شخصية فائق حسن. الفن العراقي الحديث لم يتكون على يد عباقرة يعيش كل واحد منهم في برج منفصل. تكون عبر صداقات ومنافسات وورش ومعارض وسفرات ونقاشات حادة أحياناً. كان فائق حسن قريباً من جواد سليم وعطا صبري وحقي الشبلي وشاكر حسن آل سعيد وغيرهم. هذه العلاقات لم تلغ الفروق بينهم، بل جعلتها ممكنة. جواد سليم كان أكثر انشغالاً بالبناء والرمز والشكل، وفائق أكثر افتتاناً باللون والطبيعة والحياة المرئية. لم يحتج أي منهما إلى أن يصبح نسخة من الآخر.
فائق حسن خلال رحلة فنية في أهوار العمارة مع عدد من الفنانين والمهتمين بالفن. من الأرشيف المصوّر المرفق.
العراق ليس موضوعاً فولكلورياً
حين أنظر إلى أعمال فائق حسن التي تصور الخيول والأسواق والقرى والقرويين، لا أرى محاولة لتقديم<العراق الشعبي> إلى متفرج أجنبي. هو يرسم ما يعرفه ويمنحه وزنه الكامل داخل اللوحة. الحصان ليس ديكوراً بدوياً، والسوق ليس خلفية شرقية، والوجه الريفي ليس مادة فولكلورية. كل هذه الأشياء تستحق أن تُرسم بالجدية نفسها التي تُرسم بها الحدائق الباريسية أو الوجوه الأوروبية.
وهنا، برأيي، جعل فائق حسن العالم أوسع. لم يفعل ذلك بخطاب نظري كبير، بل بتوسيع ما يمكن أن يدخل اللوحة العراقية. أدخل الحياة اليومية من باب الفن لا من باب التوثيق. نقل السوق والخيمة والفرس والعامل والمرأة والرجل العادي من هامش المشهد إلى مركزه، وأثبت أن الحداثة لا تعني البحث عن موضوع حديث في مكان بعيد. يمكن أن تكون الأداة حديثة ويبقى الموضوع ابن المكان.
كان اللون عنده أكثر من مهارة تقنية. في كثير من أعماله تبدو الكتلة وكأنها تتماسك باللون نفسه، لا بالخط الخارجي فقط. ولهذا يصعب حبسه في مدرسة واحدة. الواقعية والانطباعية والتجريد لم تكن عنده هويات مغلقة، بل أدوات يجربها ثم يتركها حين لا تعود كافية. هذه المرونة لا أراها تشتتاً. الفنان الذي يعرف الصنعة لا يخاف كثيراً من تبديل الأدوات.
رسم لفائق حسن يكشف سرعة الملاحظة والاقتصاد في الخط، ويظهر جانباً آخر من تجربته بعيداً عن اللوحات الزيتية الكبيرة.
أكثر الصور التي تستوقفني في الأرشيف ليست الصور الرسمية ولا تلك التي يقف فيها أمام لوحة مكتملة، بل الصور التي تحيط به فيها مجموعة من الشباب. في بعضها يمسك الفرشاة ويضيف لمسة إلى لوحة طالب، وفي بعضها يقف معهم في الثلج أو الأهوار أو إلى جانب حافلة في رحلة رسم. هذه الصور تقول شيئاً لا تقوله السيرة المختصرة: الرجل لم يحافظ على مسافة الأستاذ عن تلاميذه. ظل بينهم، يراقب ويصحح ويتجادل ويسافر معهم.
وهذا مهم لأن شخصية الفنان تظهر أحياناً بوضوح أكبر في علاقته بالآخرين من ظهورها في الجوائز. كثير من الفنانين يحرسون أسرارهم، ويخافون من أن يكبر الطالب قربهم. فائق حسن، بحسب الأثر الذي تركه في أجيال كاملة، كان أكثر ثقة. نجاح الطالب لم يكن خصماً من رصيده. كان امتداداً له.
فائق حسن مع مجموعة من الفنانين في كردستان العراق خلال إحدى رحلات الرسم، وهي الرحلات التي جمعت التعليم بالمشاهدة المباشرة للطبيعة.
ما الذي بقي؟
دخل فائق حسن أيضاً في العمل العام، وأنجز أعمالاً ارتبطت بتحولات سياسية عرفها العراق، وشارك بعد 1967 في تجربة «جماعة الزاوية». لكنني لا أظن أن السياسة هي المفتاح الأفضل لقراءة تجربته. الحكومات تتغير، والجداريات قد تتعرض للإهمال أو الترميم، أما أثر المعلم في المؤسسة وفي طلابه فيبقى بطريقة أقل ضجيجاً.
استمر في الرسم والتعليم عقوداً طويلة، وظل قريباً من الأجيال التي جاءت بعده. في أواخر حياته اشتد عليه المرض، ثم حالت ظروف الحرب والحصار دون عودته السهلة إلى العراق. توفي في باريس في 11 كانون الثاني 1992. المفارقة واضحة ولا تحتاج إلى تزويق: رجل أمضى عمره يرسم العراق ويعلّم أبناءه انتهت حياته بعيداً عنه، لكن العراق بقي في لوحاته وفي ذاكرة طلابه.
إذا أردت أن أختصر سر نجاحه فلن أضعه في كلمة «الموهبة». الموهبة كانت البداية فقط. الذي صنع أثره الطويل هو اجتماع الحرفة، والفضول البصري، والقدرة على التعلم من الخارج من غير فقدان المكان، ثم الاستعداد الحقيقي لنقل المعرفة إلى الآخرين. لا توجد في سيرته قفزة واحدة تفسر كل شيء. هناك سنوات دراسة، وعقود من التدريس، ومعارض، ورحلات، وصداقات، وتجارب تتغير. الأثر هنا جاء بالتراكم. ولهذا أجد فائق حسن في مكانه الطبيعي بين الشخصيات التي جعلت أفق العراق أوسع. لم يكتف بأن يرى العالم بعينه، بل علّم جيلاً كاملاً أن ينظر. ولم يجعل المعرفة التي عاد بها من باريس ملكاً شخصياً، بل وضعها في الصف والمرسم والطريق. وجعل العالم أجمل بالطريقة الوحيدة التي يستطيعها الرسام فعلاً: أن يجعلنا نرى من جديد أشياء نظن أننا نعرفها.

