العراق أمام اختبار «وحدة الساحات».. مسيّرة بغداد ومخاوف عودة الهجمات

متابعة/المدى
أعاد إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية قرب المنطقة الخضراء في بغداد، بالتزامن مع تصاعد احتمالات تجدد المواجهة العسكرية ضد إيران، المخاوف من تحول العراق إلى ساحة لتبادل الرسائل والضربات بين أطراف الصراع الإقليمي.
ويحذر باحثون من أن الخطر لا يقتصر على احتمال تعرض مواقع داخل العراق لهجمات خارجية، بل يمتد إلى إمكانية تحرك جماعات مسلحة بصورة مستقلة لاستهداف المصالح الأميركية أو دول المنطقة، الأمر الذي سيضع قدرة الحكومة على احتكار قرار الحرب والسلم أمام اختبار صعب.
وتأتي هذه المخاوف بعد تقارير تحدثت عن انفجارات استهدفت مخازن عائدة إلى فصائل مسلحة، والاشتباه بتعرض موقعين يضمان منظومات دفاع جوي لضربات إسرائيلية، وهي معلومات لم تؤكدها الحكومة العراقية بصورة رسمية حتى الآن.
مسيّرة قرب المنطقة الخضراء
أعلنت هيئة الإعلام الأمني، اليوم الثلاثاء، إسقاط طائرة مسيّرة مجهولة الهوية في محيط المنطقة الخضراء وسط العاصمة بغداد.
وقالت الهيئة، في بيان تابعته (المدى)، إن الصوت الذي سُمع في بغداد نجم عن معالجة الطائرة وإسقاطها في محيط المنطقة، من دون الكشف عن موقع انطلاقها أو الجهة التي كانت تشغلها أو الهدف المحتمل من تحليقها.
ولم يتضمن البيان معلومات بشأن احتواء الطائرة على متفجرات أو معدات استطلاع وتصوير، فيما لم تعلن الجهات المختصة نتائج الفحص الفني لحطامها.
ويفتح غياب المعلومات المتعلقة بمسار الطائرة وهويتها الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الحادث، ولا سيما أنه وقع في منطقة تضم مؤسسات حكومية وبعثات دبلوماسية ومقار أمنية حساسة.
ساحة لتبادل الرسائل
يتوقع الباحث الأمني سيف رعد أن يتحول العراق، في حال تجدد المواجهة مع إيران، إلى ساحة للتصفيات وتبادل الرسائل، على غرار المرحلة السابقة التي شهدت هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وقال رعد، في حديث تابعته (المدى)، إن استئناف العمليات العسكرية ضد إيران قد يدفع جماعات مسلحة إلى تنفيذ هجمات واسعة لإسناد طهران، بما يعرّض الأراضي العراقية إلى ردود خارجية.
وتحدث عن وجود جماعات وصفها بـ«الخاصة» ترتبط بقيادات خارجية وتخضع لإشراف الحرس الثوري الإيراني، وتضم قيادات من اليمن ولبنان وإيران، معتبراً أن هذه المعادلة قد تشكل تحدياً كبيراً أمام الأجهزة الأمنية العراقية إذا تجددت الحرب.
وتبقى هذه المعلومات في إطار تقييم الباحث الأمني، ولم يصدر عن السلطات العراقية ما يؤكد وجود هذه التشكيلات أو طبيعة ارتباطاتها وقياداتها.
واستشهد رعد ببيان منسوب إلى فصيل غير معروف يحمل اسم «ما بعد الطوفان»، عادّاً ظهوره مؤشراً على احتمال وجود تشكيلات تسعى إلى إدخال العراق ضمن معادلة الردع الإقليمي ومبدأ «وحدة الساحات».
لكن هوية الجهة التي أصدرت البيان وحجمها وقدرتها العملياتية لم تتضح، كما لم تعلن الأجهزة الأمنية نتائج تحقيق بشأنها.
موقف الفصائل تحت الاختبار
يرى رعد أن انخراط عدد من الفصائل في العمل السياسي، وتراجع نشاطها العسكري، لا يعني حسم الملف بصورة نهائية، مشيراً إلى أن حركتي النجباء وكتائب حزب الله لم تعلنا موقفاً واضحاً من طبيعة انخراطهما في التفاهمات المتعلقة بوقف العمليات وتنظيم السلاح.
وحذر من أن أي تطور عسكري كبير في الساحة الإيرانية قد يعطل التفاهمات القائمة ويعيد الهجمات إلى الواجهة، ولا سيما إذا قررت بعض الجماعات التعامل مع المواجهة باعتبارها حرباً تشمل جميع القوى المرتبطة بطهران.
وتواجه الحكومة، وفق هذه الرؤية، تحدياً مزدوجاً يتمثل بمنع انطلاق هجمات من الأراضي العراقية، وحماية البلاد من الردود الخارجية التي قد تستهدف مواقع أو مخازن تابعة إلى جماعات مسلحة.
مخاوف من ضربات إسرائيلية
حذر رعد من أن تجدد العمليات العسكرية ضد إيران قد يقود إلى ضربات متزامنة داخل العراق، مستشهداً بما وصفه بتزامن استهداف مواقع في طهران وجرف الصخر خلال المواجهة السابقة.
ويرى أن عجز الحكومة عن منع الجماعات المسلحة من مهاجمة المصالح الأميركية أو دول الخليج قد يفتح الباب أمام ضربات مركزة يحتمل أن تنفذها إسرائيل.
وأضاف أن مغادرة القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي ربما منحت الجيش الإسرائيلي هامشاً عملياتياً أوسع، مستبعداً اقتصار أي مواجهة جديدة على الأراضي الإيرانية.
وشدد، في الوقت نفسه، على أن الحديث عن ضربات متزامنة داخل العراق يبقى تحليلاً واحتمالاً، ولا يمثل معلومة مؤكدة بشأن وجود قرار إسرائيلي أو خطة جاهزة للتنفيذ.
وبحسب رعد، فإن أي هجمات من هذا النوع ستضع الحكومة العراقية في موقف حرج، وقد تدفع الفصائل إلى تصعيد ردودها، بما يضاعف التحديات الأمنية والسياسية ويهدد بإدخال البلاد في مواجهة لا تملك الدولة السيطرة الكاملة على مسارها.
استهداف مخازن ومنظومات دفاع جوي
كانت صحيفة «الشرق الأوسط» قد نقلت، السبت الماضي، عن مصادر قولها إن السلطات العراقية تشتبه في تعرض موقعين لتخزين منظومات دفاع جوي صينية الصنع لضربات جوية يُحتمل أن تكون إسرائيلية.
وبحسب المصادر، دمّر الهجوم المشتبه به شحنة من منظومات الدفاع الجوي المحمولة على الكتف، قيل إنها وصلت حديثاً من إيران ونُقلت إلى فصائل عراقية موالية لطهران.
وتحدث مصدر آخر عن سلسلة انفجارات بدأت مطلع تشرين الأول الجاري واستهدفت مخازن تابعة لفصائل في مناطق متفرقة، بينها مستودعات تضم طائرات مسيّرة مخصصة للهجمات والاستطلاع.
ولم تعلن الحكومة العراقية نتائج تحقيق تثبت تعرض المواقع لقصف إسرائيلي، كما لم تؤكد بصورة رسمية وجود المنظومات الصينية أو انتقالها من إيران إلى جماعات داخل العراق.
وبذلك تبقى طبيعة الانفجارات والجهة المسؤولة عنها غير محسومتين، في ظل غياب نتائج فنية وأمنية معلنة.
ونقلت الصحيفة عن مستشار سياسي بارز قوله إن الهجوم يعكس تقييماً داخل بعض الدوائر الاستخبارية العراقية، مفاده أن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران ربما استؤنفت بصورة صامتة عبر الساحة العراقية.
ووفق هذا التقييم، قد تركز المرحلة الأولى على ضرب خطوط إمداد الفصائل وقطع مسارات نقل الأسلحة إليها، تحسباً لمشاركتها في أي مواجهة إقليمية جديدة، إلا أن هذا الاستنتاج لم يتحول إلى موقف حكومي معلن.
«الذئاب المنفردة»
يتحدث رعد عن مؤشرات على وجود جماعات أو أفراد يمكن أن يتحركوا من مناطق نائية ومخابئ بعيدة عن مراكز المدن والطرق الرئيسة، مستشهداً بالهجوم الأخير على خط أنابيب النفط السعودي «شرق–غرب».
ويرى أن تشديد مراقبة الأجهزة الأمنية لتحركات الجماعات المعروفة ربما يدفع بعض العناصر إلى اعتماد أسلوب «الذئاب المنفردة»، وتنفيذ عمليات محدودة من مواقع يصعب رصدها مسبقاً.
وأشار إلى أن طبيعة التضاريس في المناطق الصحراوية والحدودية، واتساع المساحات الواقعة بعيداً عن الرقابة المباشرة، قد تسهّل إخفاء منصات إطلاق صغيرة أو طائرات مسيّرة ومعدات يمكن نقلها بسرعة.
وتبقى الصلة بين هذه الفرضية والهجمات السابقة خاضعة للتحقيق، إذ لم تعلن السلطات نتائج نهائية تحدد الجهات التي تقف خلف عدد من حوادث إطلاق المسيّرات أو مواقع انطلاقها.
وتشكل مراقبة الخلايا الصغيرة والأفراد غير المنضوين علناً ضمن تشكيلات معروفة تحدياً إضافياً أمام الأجهزة الأمنية، خصوصاً إذا كانت العمليات تُنفذ بصورة منفصلة لتجنب تحميل جهة محددة المسؤولية.
احتكار قرار الحرب والسلم
من جانبه، يرى الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي أن معضلة العراق في حال اندلاع حرب أميركية إسرائيلية جديدة ضد إيران لا تقتصر على ضبط الحدود، وإنما تتعلق بقدرة الدولة على احتكار قرار الحرب والسلم.
وقال التميمي، في حديث تابعته (المدى)، إن المادة التاسعة من الدستور تحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، فيما تجعل المادة 78 رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة.
وأشار إلى وجود تفاهم مرحلي بدأ بوقف الهجمات على المصالح الأميركية منذ مطلع تشرين الأول الجاري، تمهيداً لتنظيم السلاح ووضعه تحت سيطرة الدولة بحلول نهاية حزيران 2027.
لكنه أوضح أن تفاصيل التنفيذ ومدى التزام جميع الفصائل لا تزال موضع اختبار، ولا سيما أن وقف العمليات في الظروف الحالية قد يواجه تحديات مختلفة إذا تعرضت إيران إلى هجوم جديد.
الانتماء الرسمي لا يكفي
يؤكد التميمي أن إعلان بعض الفصائل انتماءها إلى مؤسسات رسمية لا يكفي لحسم ملف السلاح، إذا كانت لا تزال تحتفظ بقرار عمليات مستقل أو تتبنى علناً أجندة مرتبطة بمحور إقليمي.
ويرى أن قدرة الحكومة على تحييد الجماعات المسلحة ترتبط بتوحيد موقف القوى السياسية الحاكمة، وربط الامتيازات والتمويل والمواقع القيادية بمدى الالتزام بالدستور وقرارات القائد العام للقوات المسلحة.
كما دعا إلى تحرك دبلوماسي يمنع استخدام الأراضي والأجواء العراقية لشن هجمات على إيران أو دول الجوار، ويضمن في الوقت نفسه عدم اتخاذ العراق منطلقاً لعمليات تنفذها جماعات مسلحة خارج قرار الدولة.
وحذر من أن اندلاع الحرب، إذا دفع بعض الفصائل إلى إعطاء الأولوية للدفاع عن إيران، سيحول التفاهمات القائمة إلى اختبار حقيقي لسلطة الحكومة وسيادة البلاد.



