ثقافة وفن

آخر كوابيس كلكامش

شعر: أديب كمال الدين

في آخر اكتشافٍ أثريّ
لِلوحٍ مسماريٍ وُجِدَ في أوروك،
ظهرَ بأنَّ صاحبةَ الحانة
لم تلتقِ كلكامش لتقولَ له:
املأْ بطنَكَ ولاعبْ زوجتَك…
بل إنّ صاحبةَ الحانة
فتحتْ لهُ سِرّا بابَ حانتِها الخلفيّ
وقادتهُ إلى الحفلِ الكونيّ السِّريّ،
حيثُ يديرُ الحفل
عملاقٌ عارٍ حتّى الموت
يتقنّعُ بقناعِ الرعب،
يضربُ الأرضَ كلَّ دقيقة
بعصا عملاقة
من نارٍ وحديد،
مُحاطاً بعددٍ هائل
من نساء ورجال
عُراةٍ حتّى اللذة
وبأقنعةٍ لا تُنزعُ عنهم حتّى الموت.

دخلَ كلكامشُ الحفلةَ مذهولاً دونَ قناع،
فضربَ العملاقُ العاري الأرض
غضباً بعصاه
وصرخَ بهِ: مَن جاءَ بك؟
مَن فتحَ البابَ الأحمرَ لك؟
فتمتمَ كلكامشُ مُرتبكاً
بكلماتٍ لم تُسْمَع أبداً.
صاحَ : خذوه ليُقتلَ في الحال!
صرختْ صاحبةُ الحانة:
أنا مَن فتحَ البابَ الأحمرَ له،
فدخلَ مسحوراً
وهو يشاهدُ هذا العُري الهائل.
صاحَ العملاقُ العاري:
خذوها كي تُقتَلَ بدلاً عنه!
لم تأبه صاحبةُ الحانةِ بما سمعتْ!
كانتْ عاريةً حتّى اللذة،
مُقنّعةً بقناعِ اللذةِ حتّى الموت.

هكذا خرجَ كلكامشُ من الحفلةِ مذهولاً
من مشاهدِ الرعبِ، العري، القتل،
خرجَ ليصرخَ وسط الغابة:
أنكيدو، يا أنكيدو!
فرددتْ معهُ وحوشُ الغابة
وطيورُها وأشجارُها:
أنكيدو، يا أنكيدو!
ظلَّ كلكامشُ يصرخُ ستة أيام،
وفي اليومِ السابعِ تعبَ فنام،
فحلمَ أنّه قد وجدَ عشبةَ الخلود
فطارَ بها فرحاً كالمجنون
حتّى نسي مشاهدَ الرعبِ، العري، القتل،
طارَ كغيمةِ فرحٍ كُبرى
عبرتْ أرجاءَ الكون.
ظلَّ يحلمُ، يحلمُ، يحلم،
وهو ينامُ عارياً وسط الغابة
حتّى اقتربتْ منهُ الأفعى
وسرقتْ عشبةَ خلوده الوهميّ
وقلعتْ عينه اليسرى وابتلعتْها
وعينه اليمنى وابتلعتْها،
نفثتْ سُمّاً أسودَ في أذنيه،
جدعتْ أنفه،
ثُمَّ ابتلعتْ كلَّ نتوءٍ في جسدِه
لتنسلَّ بهدوءٍ أعمى نحوَ الأعماق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى