الادب والذكاء الاصطناعي الى أين؟

د. مي عبدالكريم محمود
تميّز الموسم الادبي الأخير في فرنسا بالضجة التي اثارتها رواية ” كان هذا او الموت ” لتليسون أورليان، الكاتب الكندي من أصل هايتي. فبعد اعلان فوز الرواية بجائزة “فناك “لعام 2026، وصعودها في قوائم الترشيح لأهم الجوائز الأدبية الفرنسية:” فيمينا” ، ” رونودو” و”غونكور”، تداولت الاوساط الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي في ال 21 من أيلول الماضي، منشورًا من موقع غير معروف اسمه ” افضح كلود الخاص بك”. وجاء فيه انه بعد فحص أجزاء عدة من الرواية، تبين انها مولّدة بالذكاء الاصطناعي بنسبة مئة بالمئة .
اجري الاختبار باستخدام أداة ” بانغرام” المعروفة بانها الأكثر موثوقية بين أدوات كشف الاستلال. وانتشر الخبر بسرعة البرق، وتناقل أكثر من أربعة ملايين مرة. كما أعلنت قنوات إعلامية فرنسية مهمة مثل “ليبراسيون “و “فرانس انتر” أنها اعادت اجراء الاختبار وخلصت إلى النتيجة نفسها .
في 25 أيلول، أعلنت جائزة “غونكور” شطب الرواية من قائمة ترشيحاتها، لتفتح الباب واسعا امام جدل مازال مستمرا حتى اللحظة: بين من يسعى إلى إثبات التهمة على الكاتب، ومن يستبعدها، مثنيا على الرواية ، رافضا لهذا الاتهام ومقللا من اهميته . كما تطور الجدل الى نقاش أوسع، تجاذب اطرافه العديد من الكتاب والفلاسفة، حول إشكاليات استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة الأدبية، وجوانبه الأخلاقية على وجه الخصوص .
هل تعد نتائج فحص البانغرام قطعية ونهائية ؟ ليس بالضرورة بحسب أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة لوفن، أيف دوفيل ، في حوار مع القناة البلجيكية الأولى : ” لم اطلع على الرواية، ولكن ما اعرفه هو ان الأسلوب النثري لتليسون أورليان يمتاز بطابع خاص يصعب على الذكاء الاصطناعي تفسيره ، ومن ثم تقييمه بالشكل الصحيح. والنتيجة التي يعطيها هذا النوع من البرمجيات تتأثر بأسلوب الكاتب دون ان تأخذ في الاعتبار المصادر الفعلية للنص”. وكان أورليان قد أشار الى أسلوبه الخاص في الكتابة، ونفى عنه تهمة الاستلال، وقال انه يستوحي تعابيره اللفظية من التقاليد الكاريبية والهايتية، وما تحمله من صور بلاغية وشعرية وتكرار وايقاع، مما يكسب كتابته طابعا اسلوبيا غير معتاد، بل وغير مألوف لدى كاشف الذكاء الاصطناعي. “.
الدوافع العنصرية من وراء التهمة
بعيدا عن صوابية الحكم للكاشف ” بانغرام “، فقد أثار العدد الهائل من الذين شاركوا الخبر المنقول من الموقع المجهول ريبة الكثيرين من مستخدمي الانترنيت وعن الدوافع الكامنة خلفه وعزا بعضهم التهمة الموجهة للكاتب الى لون بشرته . وكان الكاتب قد صرح سابقا لصحيفة “ليبراسيون “بانه تعرض منذ وصوله إلى فرنسا، للكثير من المضايقات ذات الطابع العنصري، ليس من القراء، بل من أطراف عدة تسعى إلى إيذائه بشكل مباشر. وينبري العديد من النقاد في فرنسا وغيرها من الدول الفرنكوفونية للدفاع عن أورليان، مستذكرين حوادث مشابهة تعرض لها كتاب سود ، ومنها ما حصل للكاتب جيسون اردي ، الأستاذ في جامعة كامبريج ، الذي استقال منها بعد ان اتّهمه زميل له بالانتحال ، ثم عُثر عليه منتحرا بعد ذلك بأيام.
حكاية رائعة عن المنفى والهجرة كتبت بلغة حية ومتفردة
الرواي جوناس دورليون ، 29 عاما ، أستاذ للتاريخ والجغرافية في مدرسة حكومية في هايتي . في أحد أيام عام 2023 ، وعقب اندلاع اشتباكات بين عصابات مسلحة متناحرة ، يضطر جوناس للفرار من قريته، حاملا معه كيسا بلاستيكيا فيه شهادته الدراسية ، ودفتر اشعار وصورة لوالدته وبعض المقتنيات البسيطة. وهكذا بدأت رحلته الطويلة لعبور الحدود من هايتي للالتحاق بقريب له في كندا. امتدت رحلة المهاجر جوناس لمسافة 12 الف كيلو متر عبر خلالها 12 دولة ، في ظروف بالغة القسوة . ليعيش خلالها جوناس واقع الهجرة المرير الذي جرده تباعا من كل الأشياء التي كان لها معنى في نظره، وسلبه هويته والشعر والضحك والذكريات واللقاءات الإنسانية حتى انتزع منه العزم على مواصلة الطريق مهما كلفه الثمن.
كتب أحد القرّاء هذه المراجعة للرواية:
” قرأتُها دفعةً واحدةً تقريبًا. إيقاعٌ لاهثٌ يواكب خطى المهاجر “جوناس دورليون” عبر اثني عشر بلدًا، وما تخلّل رحلته من جنون العصابات، وجنون الأدغال، وجنون البشر، والمهرّبين، وإدارة الهجرة (ICE)، وتطبيق “سي بي إس وان”… النص جميل؛ يجمع بين الطرافة والحزن، ويروي بكلام نابع من القلب حقيقة حياة المهاجر. أحيانًا تكون الجمل قصيرةً لا تتعدّى كلمةً واحدة، وأحيانًا تزخر بالصور البلاغية. تكمن شعرية الرواية في إيقاعها؛ فكثيرًا ما نجد التكرار الثلاثي، والأساليب البلاغية التي تزاوج بين الواقع والشعر في صور متناقضة. غير أن الواقعية هنا ليست “عجائبية” أو وردية.
أما الجدل المثار حول العمل، فيجب أن أقول إنه لا يعنيني البتة. فهذه الرواية تسرد قصة ملايين النساء والرجال الذين ينجحون في الصمود والبقاء شامخين خلال رحلة الهجرة. ويقينًا، فإن موضوعها لا يراعي “الصوابية السياسية”. هذا أقل ما يمكنني قوله بحق هذه الرواية التي أحببتها كثيرًا.”
موقف أصحاب المكتبات
أحرج الإقبال الكبير على رواية تليسون أورليان، التي باتت من بين الأكثر مبيعًا، أصحاب المكتبات، ودفع ألكسندرا شاروان سبانغنبرغ، رئيسة نقابة المكتبات الفرنسية، إلى التصريح بأن أصحاب المكتبات متمسكون بشدة بالطابع البشري لفعل الإبداع. فبنظرهم، ينبغي أن يكون الكتاب من صنع كائن بشري من لحم ودم، وأي كتاب يُحرَّر بالذكاء الاصطناعي، مهما كان جذابًا وممتعًا وعالي الأداء، يفقد تصنيفه ويصبح منتجًا لا يمتّ بصلة إلى الكتاب الحقيقي.
المعايير المزدوجة في فحص النصوص
أليس مريبًا هذا التزاحم والسعي المحموم للقبض على أورليان متلبّسًا؟ المطالبة بتوضيح الأمور مشروعة، ولكن لماذا هذا الإصرار على استهداف مؤلف واحد من بين ستة عشر مرشحًا للقائمة الطويلة لجائزة غونكور؟ ثم من يقف وراء المنشورات المدفوعة الثمن التي تضخّم الهجوم على الكاتب بغرض القضاء على مسيرته المهنية؟ ولماذا لا تُطبَّق المعايير الصارمة نفسها، من فحص وتدقيق، على الأعمال المرشحة الأخرى؟ من غير المقبول أن يكون البحث عن الحقيقة مبررًا لازدواجية المعايير، أو أن تكون إثارة السجالات وسيلة لتحقيق مآرب مادية”
هذا ما صرّح به الفيلسوف وعضو أكاديمية غونكور باسكال بروكنر. ومن ناحية أخرى، يرى بروكنر أن من التبعات السلبية لهذه القضية، التي يُتّهم فيها أورليان باستخدام الذكاء الاصطناعي، أن الجميع سينظر في نهاية المطاف بعين الريبة إلى الكتب الجديدة التي ستصدر مستقبلًا.
ويعتقد الكاتب والفيلسوف أننا نتجه نحو حقبة — وربما نكون قد دخلناها بالفعل — يتعايش فيها البشر مع الذكاء الاصطناعي الذي يسخّر نفسه لخدمتهم. ويختتم قائلًا:
“في دور النشر، هناك قرّاء، وهناك أشخاص، رجالًا ونساءً، يشكّلون هيئة التحرير ويساعدونك في الكتابة، وهؤلاء أيضًا يستحقون منك الشكر في نهاية الكتاب. وإذا كانت الآلات قادرة على القيام بهذا الدور، فما المبرر الذي يجعلنا نستغني عنها؟ لذا، أعتقد أننا سنكتب أعمالًا مستقبلية بشكل جماعي… وهذا ليس كارثة، بشرط أن يظل الإلهام والبصمة النهائية منسوبين إلى المؤلف.
هل ينبغي حظر استخدام الذكاء الاصطناعي كليا؟
في مقابلة مع «فرانس كولتور»، قال الروائي هيرفيه لو تيلييه، الحاصل على جائزة غونكور عام ٢٠٢٢، إن الكاتب ينبغي أن يكون قادرًا على إثبات نسبة الكتاب إليه وجعله ملكًا خاصًا به:
” أعلم أن هناك مؤلفين مرموقين، مثل آلان داماسيو، يستعينون بالذكاء الاصطناعي؛ أما أنا، فيصعب عليّ استخدامه إلا في حدود البحث والتوثيق، وربما لمساعدتي أحيانًا في بناء الحبكة الدرامية. ولو تجاوزت ذلك، لشعرت بأنني لا أؤدي عملي كما ينبغي، وبأنني أساهم في تعطيل قدراتي على التطور، من دون أن أضيف شيئًا إلى نفسي.
سأضرب لك مثلًا بالليبوغرام (lipogram)، أي كتابة نص يخلو بالكامل من حرف معيّن. وقد استخدم جورج بيريك هذا الأسلوب في روايته “الاختفاء”، التي جعلها خالية من حرف “E” منذ فترة وجيزة، تحدثت مع صديق يُدعى سيباستيان بايلي، له اهتمام كبير بقضايا الذكاء الاصطناعي، وقلت له إن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تستطيع، حتى اليوم، صياغة جمل تخلو من حرف “E”. فأرسل إليّ نصًا كتبه الذكاء الاصطناعي، وكان نسخة شبيهة برواية “الاختفاء” لبيريك، مكتوبة بأسلوبه ومن دون استخدام حرف “E”.
وتساءلت: ما الفرق بين نص أنتجته الآلة ونص أبدعه بيريك بعدما ألزم نفسه بمحددات وقيود فنية معينة؟ في حقيقة الأمر، الفرق هو بيريك ذاته، وهذا فرق جوهري. فما يهمني حقًا هو معرفة أن شخصًا ما، في لحظة ما، أعدّ خطة، وبذل جهدًا في صياغة مسائل معينة، وتحدّى إمكاناته، لا أن أكتشف أن آلة أنتجت ذلك في ثلاث دقائق. هذه العلاقة الإنسانية هي التي أتوق إلى إقامتها مع القارئ بصفتي مؤلفًا”.
لوك فيري ودعوته إلى زيادة عدد الأوامر (البرومبتات ) لإثبات حق المؤلف في العمل
في مقابلة تلفزيونية على القناة الفرنسية الأولى، علّق الكاتب والفيلسوف لوك فيري على تصريحات عدد من الشخصيات البارزة التي أثنت على الرواية ووصفتها بالرائعة، مثل باسكال بروكنر وألن مانك
: “إنها تصريحات كارثية، لكنها ليست ترّهات، لأنها استخلصت لنا درسًا حول ما بلغه الذكاء الاصطناعي من تطور وقدرة خارقة على الإبداع. إنهم ليسوا حمقى، وكلامهم دليل على أن أداء الذكاء الاصطناعي بات متقنًا إلى حد الإبهار. وهذا يفسر الإقبال المتزايد على قراءة هذه الرواية، ووصول مبيعاتها إلى نسبة تفوق ما كانت ستحققه لو فازت بجائزة غونكور.
والسؤال المطروح الآن هو: هل ستُكتب جميع الأعمال مستقبلًا بالكامل بالذكاء الاصطناعي، أم ستُكتب بالتشارك معه؟ في مجال الأعمال الفنية، هذا أحد الأسئلة المطروحة حاليًا في الولايات المتحدة الأمريكية. وهناك مقترح بأن يُعترف بحق صاحب العمل في منتجه وفقًا لعدد الأوامر (البرومبتات) التي يوجّهها إلى الذكاء الاصطناعي..
في واقع الأمر، هناك مدرستان في التعامل مع هذا الموضوع. فمن جهة، هناك من لا يكترث بأن يكون العمل مولّدًا بالذكاء الاصطناعي، وكل ما يهمّه هو جودة العمل النهائي. لكن هذا غير صحيح، فالكتاب هو أيضًا فرصتنا لاكتشاف الكاتب. بالنسبة إليّ، الكتاب هو فيكتور هوغو وفلوبير وبروست. تهمّني سيرة الكاتب وحياته، ومن خلال الكتاب أحاول أن أفهم من يقف وراءه.
الأمر يشبه أن يقول لك روبوت جميل: كم أنت رائع، أنا أحبك وأعشقك وأودّ تقبيلك، لكنك ما إن تلاحظ أنك أمام روبوت، لا امرأة من البشر، حتى تكتشف كم كنت مخدوعًا. والمشكلة الأخرى في الكتب المولّدة بالذكاء الاصطناعي هي حرمان مؤلفها من الفضل الذي يستحقه عادةً مؤلف الكتاب.
وعندما يصرّح باسكال بروكنر بأن رواية أورليان هي الأفضل في هذا الموسم الأدبي، وأنه لم يقرأ ما يصل الى كعب هذه الرواية، على الرغم من بعض العيوب اللغوية واللوازم اللفظية والتكرارات، فذلك لأنه لا يعلم أن هذه كلها أخطاء شائعة في “تشات جي بي تي 4”. ولو أن الكاتب استعان بـ“تشات جي بي تي 6” وطلب منه حذف هذه السقطات اللغوية، لتخلّص النص منها.
في الولايات المتحدة، تبيّن أن عمل الفنان جيسون ألين، “مسرح أوبرا الفضاء”، الفائز بجائزة الفن المعاصر في كولورادو، قد وُلّد باستخدام برنامج الذكاء الاصطناعي “ميدجورني” (Midjourney). فكان ردّ فعل جيسون أنه لولا توجيهه ٦٣٥ أمرًا إلى البرنامج، لما أخرج هذا العمل الناجح؛ وبالتالي، فالعمل من صنعه، وقد استخدم البرنامج كما يستخدم الفنان لوحة البيانو الخاصة به.
ويستطرد لوك فيري قائلًا: كان من الأجدر أن يساهم أورليان في صناعة كتابه كما فعل هذا الفنان. لكن المشكلة، كما يذكرها بيان لجنة تحكيم جائزة غونكور، هي أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بنسبة ٩٥ بالمئة، تاركًا وراءه الكثير من السقطات”.


