الشعر في اقصى حدود الرفض والاحتجاج

فالح الحمراني
بينما كان دانييل خارمس يذرع شوارع لينينغراد في ثلاثينيات القرن العشرين، في معطفه الطويل الرث يرفرف خلفه كأجنحة غراب، وقبعته الغريبة تثير ريبة رجال المخابرات السوفيتية، لم يكن يفعل شيئاً سوى الاحتجاج. كان يحمل غليوناً فارغاً من التبغ، يتظاهر بأنه ساحر ألماني، ويختلق حكايات عبثية ليسخر من واقع ستاليني مرعب يريد تحويل البشر إلى آلات صماء.
في تلك اللحظات، وبفارق عقود وجغرافيا شاسعة، كان هناك رجل آخر في بغداد الثمانينيات يدعى جان دمو، يذرع أزقة الكرادة حافي القدمين، أو يجلس في حانة “شريف وعبود” بملابس رماها له أحد الأصدقاء، يطلب سيجارة بصلف ملوك وعينين تشعان بالرفض.
ما الذي يربط بين لينينغراد المتجمدة وبغداد التي تلفحها الحروب؟ يربطهما خيط سري خفي من العدمية والصعلكة، خيط يثبت أن العبث والسريالية لم يكونوا يوماً ترفاً فكرياً يكتب في صالونات باريس، بل كانا درعاً أخيراً لإنقاذ الروح من الطحن الوجودي. دانييل خارمس (1905–1942) هو شاعر وكاتب روسي بارز، ويُعد أحد أبرز رواد أدب العبث والكوميديا السوداء في القرن العشرين.. وبسبب الرقابة السوفيتية الصارمة في عهد ستالين، حُظر نشر أعماله الموجهة للكبار، فكرّس طاقته لـكتابة أدب الأطفال كمتنفس ومصدر دخل أساسي. اتسم أسلوبه الأدبي بالغرابة والمواقف الفجائية وغير المنطقية، مثل سقوط الشخصيات من النوافذ أو اختفائها الغامض، وهو ما عكس برداءة الواقع البيروقراطي آنذاك. انتهت حياته بنهاية مأساوية؛ حيث اعتُقل بتهمة الدعاية الانهزامية أثناء حصار لينينغراد، وتوفي بسبب الجوع داخل مستشفى السجن النفسي عام 1942. لم تنل أعماله العبثية (مثل قصة “العجوز” ومجموعة “حالات”) شهرتها العالمية إلا بعد عقود من وفاته عندما أُعيد اكتشافها ونشرها سرّاً.
كان خارمس يجد ملاذه وسط صخب “جماعة الفن الواقعي” التي أسسها مع رفاقه ليخوضوا حرباً لغوية ضد قوالب “الواقعية الاشتراكية” الصارمة. كانوا يقرأون قصائد العبث في مقاهي لينينغراد، ويقلبون الطاولات، ويعلنون أن الكلمة يجب أن تحيا خارج سجن المعنى التقليدي. وعلى الطرف الآخر من العالم، كان جان دمو يمثل الشاعر الأكثر جموحاً في “جماعة كركوك” الأسطورية؛ تلك الجماعة التي ضمت سركون بولص، وفاضل العزاوي، وصلاح فائق والذين حركوا ركود الجو الثقافي من مقهى “البلدية” في كركوك ثم مقاهي بغداد.
وهنا يتجلى الرابط الأنثروبولوجي ؛ فبينما كانت جماعة الفن الواقعي ” الروسية تحاول تفكيك لغة الاستبداد السياسي باللجوء إلى “اللامعنى” والطفولة، كانت “جماعة كركوك” العراقية تفكّك لغة المؤسسة والأيديولوجيا السياسية المفروضة باللجوء إلى التمرد الوجودي وقصيدة النثر. وفي قلب الصخبين، ظل خارمس ودمو يمثلان “الراديكالية الخالصة” لجماعتيهما.
كان خارمس يكتب عن سقوط الأشخاص المفاجئ من النوافذ، وعن العجائز اللاتي يتساقطن من فرط الفضول، وعن ساعات جدارية بلا عقارب؛ كان يفتت الواقع الروسي اليومي المرعب ليحوله إلى شظايا وكوابيس صغيرة وضاحكة، معلناً أن اللامعنى هو الحقيقة الوحيدة المتبقية في عالم ستالين الممنهج وتناول جان دمو في المقابل الأسمال، والغبار، والأزقة المهجورة، والتبغ الرديء، ووجوه غربلتها الحروب؛ لم يكتب عن الأمجاد أو البطولات الزائفة، بل فكّك البلاغة العربية ليتناول الهامش العراقي المنسي، جاعلاً من قصيدته رداءً ممزقاً يشبه معطفه، ليعري به زيف المؤسسة الثقافية والسياسية في بغداد.
يتذكر الشاعر العراقي فاضل العزاوي في كتابه “الروح الحية” كيف كان جان دمو يرفض المأوى والوظيفة، معلناً أن “الحرية هي ألا ينتظرك أحد”، وهي ذاتها الروح التي دفعت خارمس ليكتب في مفكرته: “لا يهمني سوى الهراء، فحسب ما ليس له معنى عملي”. كلاهما رأى العالم ينحدر نحو جنون منظم، فاختارا الجنون العفوي الفردي كأعلى أشكال المقاومة الثقافية.
في الفولكلور الأنثروبولوجي للشعوب، ثمة شخصية تُعرف بـ “المهرج الحزين” أو المجذوب المقدس؛ في التراث الروسي يسمونه “اليوروديفي”، وفي الوجدان العراقي هو “الدرويش الصعلوك”. دانييل خارمس وجان دمو هما التجسيد الأدبي الأرقى لهذه الظاهرة. خارمس الذي تنبأ في قصصه القصيرة جداً بأشخاص يسقطون من النوافذ ويختفون، انتهى به الأمر معتقلاً ليقضي جوعاً في مصحة نفسية أثناء حصار لينينغراد عام 1942.. وجان دمو، الذي تفتتت اللغة في مجموعته الشعرية أسمال”، انتهى به المطاف غريباً في أستراليا، ليموت في مستشفى بارد عام 2003 دون أن يفهمه النظام الحداثي الغربي.
لم يكتب خارمس ودمو السريالية، بل عاشاها.. كانا يمشيان على حافة الهاوية، لا لينتحرا، بل ليتطلعا إلى عمقها ويسخرا من هذا العالم الشديد التجهم، تاركين لنا خلفهما درساً بليغاً: عندما يصبح الواقع غير معقول، تصبح الصعلكة هي الموقف العقلاني الوحيد.

