ثقافة وفن

تيد هيوز : الشعر والعنف

ترجمة: سهيل نجم
في حوار مطول، سأل ايجبرت فاس المحرر في “مجلة لندن” في عددها كانون الثاني عام 1971 الشاعر تيد هيوز السؤال الآتي: كثيراً ما وصف النقاد شعرك بأنه “شعر عنف”. ومن الواضح أن مثل هذه الوصف يتغاضى عن القضايا الفلسفية الواسعة حتى في أعمالك المبكرة، التي وفقًا لكلماتك أنها مستوحاة من “الحرب بين الحيوية والموت … وتحتفي بمآثر المحاربين على كلا الجانبين”. ولكن كيف يرتبط هذا الشعر بنظامنا العرفي للقيم الاجتماعية والإنسانية وإلى أي درجة يمكن اعتباره نقدًا لهذه للقيم؟. . . ربما هذان سؤالان في واحد.

فأجاب هيوز: دور هذه الكلمة “عنف” في النقد الحديث صعب للغاية وليس من السهل متابعته دائمًا، وأتساءل عما إذا كانت تستخدم في بلدان أخر. أحد الاستخدامات الشائعة لذلك التي أتخيلها تحدث عندما يفكر نوع من كتاب المراجعات النقدية في جمهوره. . . عندما تصف عمتي شعري بأنه “مروع وعنيف” أعرف ما تعنيه. لأنني أعرف ما هو نمط الحياة والتوقعات التي تدافع عنها. وأنا أعلم أنها تمثل أعدادًا هائلة من الناس في إنجلترا. ما لديها هو فكرة عما يجب أن يكون عليه الشعر. . . وهي فكرة غامضة للغاية، حيث إنها أساسًا تجهل تماماً ما الشعر. لديها غريزة لنوع من الشعر يؤكد قيم أسلوب حياتها. وهي تجده في الجزء الأكثر اعتدالًا من شعر وردزورث، على سبيل المثال. بمعنى أن النقاد الذين يجدون شعري عنيفًا هم من ضمن عالمها، وهم يحمون طريقة حياتها. لذلك لتعريف كلمة العنف أكثر من ذلك، عليك أن تكتشف لماذا يجب أن تجد طريقة حياتها سلوك الصقر “رهيباً” أو أن أي إشارة إلى الموت العنيف “مثيرة للاشمئزاز”، تمامًا كما تجد أي إشارة إلى العنف الشديد في الحياة “مخيفة إلى حد ما”. إنه جدال لا طائل من وراءه حقًا. وهو الشيء نفسه الذي وجده شكسبير في قصة فينوس وأدونيس. قضى شكسبير حياته في محاولة لإثبات أن أدونيس كان على حق، لكونه المتشكك العقلاني، والرجل النظامي التطهري. وتتحول فينوس في نهاية المطاف إلى شخصية مأساوية، لأنها تعجز تماماً عن إدراك الفرق بين الحب والشهوة. تُستخدم صور الحيوانات في القصيدة لتصوير الطبيعة البشرية؛ فهي لا تقتصر على كونها تجسيداً للرغبة والمكر، بل تمتد لتصبح رموزاً للبراءة والمعاناة. وبذلك، لا ترمز الحيوانات إلى ذوي النزوات فحسب، بل ترمز أيضاً إلى ضحايا تلك الرغبات والشهوات الجامحة. وهذا ما وضعه في المآسي قبل أن يقرر أن الخلاف لا يمكن أن يستمر بأمانة. منذ ذلك الحين ، كانت المهمة الصعبة لأي شاعر هي تحديد القوة التي أطلق عليها شكسبير اسم فينوس في قصائده الأولى وسيكوراكس في قصائده الأخيرة.

الصقرُ في المطرِ
أغرقُ في الحقل المحروث الصاخب وأتراجعُ
قدماً بعد قدم من فم الأرض الملتهم
ومن الصلصال الذي يتشبث بخطوي حتى الرُكبة
وبه عادة القبر العنيد،
لكن الصقرَ بلا كلل يعلّق عينه الساكنة شاهقاً.
جناحاه يمسكان كل الخلق في هدوء شفيف،
ثابتاً مثل هلوسة في مهب الريح.
بينما الريح القارعة تقتل أشجار الحافة العصية
وتلوثُ عينيّ وتنفث في صدري وتقبض قلبي،
والمطر يضرب رأسي حتى العظم،
يعلّق الصقرُ الإشارة الجوهرية للرغبة التي تُهدي
غريقَ البحر الثباتَ: وأنا،
انتزعتُ بعنفٍ، مصاباً بالدوار، لقمة اللحظة الأخيرة
من فم الأرض، مشدوداً باتجاه
المرتكز الأول للوحشية حيث ما زال الصقر معلقاً
وقد يقابل المناخ في وقته
وهو قادم من الطريق الخطأ، يصارع الهواء منقلباً
ومنهاراً، تهشّمه المقاطعات المضجرة
والأفق يضع له الفخاخ؛
حتى تحطمت العين الملائكية المدورة التي تمزج دم قلبه بوحل الأرض.

الرّيح
كان هذا المنزل بعيدًا عند البحر طوال الليل،
بينما الغابة تتحطم سرّا في العتمة، والتلال تدوّي،
والرياح تُدخل الذعر في الحقول تحت النافذة
التي تتخبّط داكنة منفرجة وتعمى من الرطوبة
حتى استيقظ النهار؛ ثم تحت سماء برتقالية
صار للتلال أماكن جديدة، وقبضت الرياح
نصلَ الضوء، أسود ولامع وزمردي،
يتلوّى مثل عدسة العين المجنونة.
عند الظهيرة، انحدرتُ على طول جانب المنزل حتى
باب مخزن الفحم. وما إن تطلّعتُ –
عبر الريح الشديدة التي طعنت كرات عيني
سمعتُ خيمة التلال تدمدم وتوترت حبالها.
وارتجفت الحقول، وكشّر الأفق ،
كان يختفي ويرفرف في أي لحظة تدق؛
وألقت الريح بالعقعق بعيدًا، وانحنى النورس أسود الظهر ببطء-
مثل قضيب حديدي. ورنّ المنزلُ
مثل قدحٍ أخضرَ جميل على الحافة
من شأنه أن يتحطم في أي ثانية. نحن الآن قابعين
في عمق الكراسي، أمام النار العظيمة، أيدينا على قلوبنا
ولا نستطيع التسلية بكتاب أو فكر،
نراقبُ النارَ مشتعلةً،
ونشعر بجذور المنزل تتحرك لكننا ليس لنا غير أن نجلس
وننظر إلى النافذة تهتزُّ تريد الدخول،
ونسمع الحجارة تصرخ في الآفاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى