ثقافة وفن

سيرة ضوء.. بين الصمت والصوت في تجربة الفنان حسن عبود

:د. شوقي الموسوي
تُعدّ العلاقة بين الفن والضوء من أبرز الحوارات الفلسفية في تاريخ التشكيل؛ إذ تنفتح بين الصمت والصوت، وبين الموت والحياة، لتشكّل أفقا بصرياً متّسعاً نحو أعماق الصورة الفنية، بوصفها معادلاً موضوعياً للذات الإنسانية التي تعرّضت، بفعل الحروب والاحتلالات، إلى التهميش والتغييب والتعطيل.. فالضوء في الفنون ليس مجرد أداة للإظهار، بل هو عنصر مفاهيمي وجمالي يعبّر عن الوعي بالزمان والمكان والروح، ويتجاوز دوره الفيزيائي إلى دور رمزي وفلسفي، ليغدو لغةً وجوديةً تعبّر عن العلاقة بين المرئي واللامرئي.
لقد تجاوز الفنان المعاصر، والعراقي على وجه الخصوص، حدود المحاكاة للضوء الطبيعي، ليصنع ضوءه الخاص عبر تكويناتٍ تجريديةٍ تعتمد على الإدهاش والإمتاع، فيتحول الضوء إلى فعلٍ زمنيٍّ ومكانيٍّ يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الواقع والخيال… وقد اكتسب الضوء في التشكيل العراقي المعاصر دلالات رمزية وروحية متعددة، تستمد جذورها من البيئة المحيطية والموروث الحضاري والتراث الإسلامي، منذ تجارب فناني الخمسينيات والستينيات وصولًا إلى التسعينيات، الذين منحوا الضوء قيماً روحية تحاكي المخفيَّ واللامرئي. فتم توصيف الضوء بوصفه تجلياً وتصوفاً، وأحياناً قيمة درامية في بناء المشهد، أو رمزاً للقداسة باعتباره علامةً روحيةً وذاكرةً جماليةً متجددة.
ومن بين التجارب التشكيلية البارزة تأتي تجربة الفنان حسن عبود في معرضه الشخصي «سيرة ضوء» الذي أقيم في قاعة أكد للفنون ببغداد عام 2025، وهو معرضه الشخصي الأول في وطنه العراق بعد غيابٍ تجاوز ثلاثة عقود في المهجر الأوروبي.. قدّم الفنان من خلاله خلاصة رحلةٍ طويلةٍ من التأمل، متجاوزاً حدود المشهد البصري نحو ترسيم حدود صورة الروح، عبر تأكيده على جمالية اللون بوصفه ذاكرةً مستعادة تنطلق من نزعةٍ تعبيريةٍ تتطور نحو تجريد رمزيّ، يُعيد تعريف المساحة والكتلة ضمن إطارٍ حداثويٍّ يتجاوز المرجع الواقعي.. فتبدو التكوينات كما لو كانت أطيافاً للذاكرة أكثر من كونها أجساداً للأشياء، حيث تتشابك العلاقة بين الحضور والغياب، وتتداخل المستويات اللونية في علاقاتٍ دقيقةٍ تُبرز قدرة الفنان على الإمساك بحدّ التوازن بين التشخيص والتجريد، وبين التقرير والتعبير.
الضوء عند حسن عبود ليس مجرد مصدرٍ للإضاءة، بل هو لغة الوجود التي تكشف الحدود بين المادة والخيال، وهو ضوء الذاكرة الجمعية الذي ينبثق من الداخل لا من الخارج؛ من التجربة الإنسانية، ومن الأثر النفسي للأمكنة التي يعيد الفنان صياغتها عبر اللون والملمس.. وهكذا يتحوّل الضوء في لوحات عبود إلى رمزٍ للوعي والإشراق الروحي، في مقابل ظلال الكتلة التي تُحيل إلى الصمت والغياب والذاكرة.
وتقوم تجربة حسن عبود على تداخل المستويات اللونية وكثافة الملمس في بعض مساحات المشهد البصري مقابل شفافيته في مساحاتٍ أخرى، لتتشكل تكويناتٌ هندسيةٌ (مربعات، أنصاف دوائر…) تنفتح على فضاءاتٍ بلا حدود، ضمن جدلية الحضور والغياب، والغموض والانكشاف، واللون والضوء. كما تحضر الألوان الأساسية (الأحمر، الأزرق، الأصفر) بوصفها لغاتٍ دلاليةً تُوازن الضوءَ الذهبيَّ المشرقَ الهادئ، لتؤلّف معاً طيفًا بصرياً يعبر عن تحولات الذاكرة والزمن.
إن تجربة (سيرة ضوء) تحاول أن تستبطن الوعي الجمعي لجيلٍ تشكيليّ عراقيّ وُلد من رحم التحولات التاريخية المتسارعة، ليعيد الفنان صياغتها برؤيةٍ تأمليةٍ تميل إلى الجماليات لا إلى التقريرية، فتغدو اللوحة سيرةً بصريةً لرحلة النور من القداسة إلى الحداثة.. فالضوء هنا لا يصف الأشياء بل يرويها؛ يكتبها كما تكتب الذاكرة تاريخها البصري، بلغةٍ تتأرجح بين الكشف والستر، بين الضوء الكاشف والظل الحافظ للأثر لتغدو تجربة حسن عبود سيرةَ فنانٍ يكتب روحه بالضوء. ومن هنا تتجاوز هذه السيرة حدود التجربة الذاتية، لتغدو مشروعاً بصرياً يعيد مساءلة العلاقة بين الرؤية وبناء المعنى. فالضوء لا يحضر بوصفه عنصراً تشكيلياً معزولاً، بل بوصفه البنية الداخلية التي تنتظم وفقها العلاقات بين اللون والكتلة والفضاء، حتى تبدو اللوحة وكأنها تنمو من داخلها، وفق منطقها الجمالي الخاص، لا وفق ما تفرضه محاكاة الواقع أو استعادة صورته. ولهذا لا تمنح أعمال حسن عبود نفسها للمتلقي من النظرة الأولى، وإنما تستدرجه إلى تأمل يتدرج مع انكشاف العلاقات البصرية، حيث تصبح القراءة فعلاً زمنياً يتكشف فيه المعنى كلما ازداد الإنصات إلى إيقاع اللون وحركة الضوء.
وضمن هذا السياق، لا يعود اللون حاملاً للموضوع، وإنما يصبح منتجا له؛ إذ تتبدل وظيفته من وصف المرئي إلى تأسيس المجال الذي يتولد فيه المرئي ذاته. ومن ثم تتراجع الحدود الفاصلة بين الشكل والفضاء، وبين الكتلة ومحيطها، لتحل محلها شبكة من العلاقات التشكيلية التي تمنح اللوحة وحدتها العضوية، وتجعل كل عنصر فيها يؤدي وظيفته ضمن نظام بصري متكامل، لا يقوم على التماثل، بل على التوازن الدقيق بين التنوع والانسجام.
ومن هنا تتبدى خصوصية التجربة في قدرتها على تحويل الضوء من قيمة جمالية إلى قيمة بنائية، فهو لا يكشف الأشياء بقدر ما يكشف العلاقات التي تربطها، ولا يضيء السطوح بقدر ما يضيء طبقات الإدراك الكامنة خلفها.. ولذلك تغدو اللوحة فضاءً للتأمل أكثر منها فضاءً للوصف، إذ لا تقود العين إلى التعرف على الأشياء، بل تدفعها إلى إعادة اكتشافها عبر نظام بصري يحررها من يقين الرؤية المباشرة، ويمنحها أفقًا جديدًا من الاحتمالات.
ولعل هذا ما يفسر شعور المتلقي بوحدة التجربة، على الرغم من تنوع مفرداتها البصرية؛ فالوحدة لا تتحقق عبر تكرار الصيغ أو ثبات التكوينات، وإنما عبر ثبات الرؤية التي تنتظمها جميعاً. إنها رؤية استطاعت أن تجعل من الضوء لغةً قائمة بذاتها، ومن اللون نسقاً فكرياً وجمالياً يعيد بناء الخبرة البصرية، بعيداً عن المباشرة أو الوصف أو الانفعال العابر، لتصبح اللوحة فعلًا معرفياً لا يقل عمقاً عن كونها منجزًا تشكيلياً. وعند هذه النقطة، تتجاوز تجربة حسن عبود حدود خصوصيتها الفردية، لتدخل في حوارٍ أوسع مع منجز التشكيل العراقي المعاصر؛ فهي لا تنشغل بإثبات القطيعة مع التجارب السابقة، كما لا تستسلم لسلطة المرجعيات التي رسختها الأجيال المؤسسة، وإنما تعيد طرح الأسئلة الجوهرية ذاتها بصياغة بصرية أكثر نضجًا، تجعل من العمل الفني كيانًا مستقلًا يمتلك منطقه الداخلي، وقادرًا في الوقت نفسه على الاحتفاظ بصلته العميقة بالذاكرة والثقافة والإنسان.
وبذلك، لا يغدو معرض (سيرة ضوء) مناسبةً لاستعراض تجربة فنية ناضجة فحسب، بل يصبح شاهداً على قدرة الفن التشكيلي على إعادة إنتاج العالم من خلال لغته الخاصة. فحين يتحول الضوء إلى رؤية، والرؤية إلى بناء، والبناء إلى تجربة جمالية مفتوحة، تتجاوز اللوحة حدود مادتها لتغدو فعلًا ثقافياً وإنسانياً متجدداً. ولعل القيمة الأعمق في تجربة حسن عبود تكمن في أنها لا تدعو المتلقي إلى الاكتفاء برؤية اللوحة، وإنما تدعوه إلى أن يعيد النظر في معنى الرؤية نفسها؛ وهناك، تحديداً، تكتمل سيرة الضوء لا بوصفها سيرة فنانٍ وحسب، بل بوصفها سيرةً متجددةً للفن حين يبلغ أقصى قدرته على تحويل الجمال إلى معرفة، والرؤية إلى وعي، والضوء إلى أثرٍ باقٍ في الذاكرة البصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى