“صورة جماعية مع سيدة”.. هاينريش بول يرسم ذاكرة ألمانيا

علاء المفرجي
تحتل رواية (صورة جماعية مع سيدة) الصادر عن المدى وبترجمة صلاح حاتم، كانة خاصة في أعمال الكاتب الألماني هاينريش بُول، ليس فقط لأنها من أكثر رواياته طموحًا من الناحية الفنية، وإنما لأنها تختصر إلى حد بعيد اهتمامه الأدبي والأخلاقي بألمانيا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل إرث النازية والدمار والذنب والنسيان.
صدرت الرواية عام 1971، وفي العام التالي حصل بوُل على جائزة نوبل للآداب 1972. وقد وصفت الأكاديمية السويدية الرواية في بيان الجائزة بأنها آخر أعماله وأضخمها من حيث التصور والطموح. كما ربطت تكريم بُول بقدرته على الجمع بين الرؤية الواسعة لعصره والحساسية في رسم الشخصيات، وهو وصف ينطبق بصورة خاصة على هذه الرواية.
وحين نشر الكاتب الألماني هاينريش بُول روايته «صورة جماعية مع سيدة» عام 1971، لم يكن يكتب سيرة امرأة فحسب، بول كان يرسم من خلالها صورة واسعة لألمانيا في القرن العشرين؛ ألمانيا التي عاشت صعود النازية، والحرب العالمية الثانية، والدمار، ثم إعادة البناء والتحول الاقتصادي والاجتماعي.
تتمحور الرواية حول ليني غرويتن، وهي امرأة ألمانية بسيطة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن السياسة والثقافة. غير أن حياتها تتقاطع مع الأحداث الكبرى التي عصفت ببلادها، فيتحول تاريخها الشخصي إلى مرآة لتاريخ مجتمع بأكمله.
يعتمد بُول أسلوبًا سرديًا غير مألوف؛ فالرواية لا تُروى بصورة خطية، وإنما تبدو كأنها تحقيق في حياة ليني. يجمع الراوي شهادات أشخاص عرفوها، ويستعيد وثائق وذكريات وأحداثًا متفرقة، لتتشكل أمام القارئ «الصورة الجماعية» التي يشير إليها العنوان. ومن خلال تعدد الأصوات، يطرح الكاتب سؤالًا أساسيًا: هل يمكن الوصول إلى حقيقة الإنسان من خلال شهادات الآخرين؟
تأتي علاقة ليني بأسير الحرب السوفيتي بوريس في قلب الرواية. ففي زمن النازية، حين كان النظام يصنف البشر وفق العرق والقومية ويجردهم من إنسانيتهم، تنظر ليني إلى بوريس بوصفه إنسانًا قبل أي شيء آخر. ومن هنا تتحول قصة الحب بينهما إلى موقف أخلاقي يتحدى منطق الحرب والعنصرية. فالفعل البسيط، مثل تقديم الطعام أو مشاركة القهوة، يصبح في ذلك السياق تعبيرًا عن مقاومة إنسانية هادئة.
لكن بُول لا يتوقف عند النازية. فالرواية تمتد إلى ألمانيا بعد الحرب، حيث أعيد بناء المدن والاقتصاد، بينما بقيت أسئلة الماضي والذنب والذاكرة معلقة. كما تدخل حياة المهاجرين والعمال الأجانب في النسيج الروائي، ليشير الكاتب إلى أن مشكلة «الآخر» لم تنته بسقوط النازية؛ فقد تتغير الأنظمة واللغة، لكن خطر التمييز والإقصاء يمكن أن يستمر بأشكال جديدة.
وتتميز ليني بأنها ليست بطلة تقليدية. إنها لا تخطب ولا تقود حركة سياسية، لكنها تتمسك بحريتها في أن تحب من تريد، وأن ترى الإنسان كإنسان. ولهذا تبدو شخصيتها أكثر قوة من كثير من الشخصيات المتعلمة والمقتدرة التي تحيط بها.
تكمن أهمية الرواية في أنها تجعل الحياة اليومية وسيلة لقراءة التاريخ. فالحرب عند بُول ليست معارك وجنرالات فقط، بول هي أثر يبقى في البيوت والعائلات والعلاقات والذاكرة. وألمانيا التي أعادت بناء مبانيها بعد الحرب تجد نفسها مطالبة أيضًا بإعادة بناء ضميرها.
لقد حصل بوُل على جائزة نوبل للآداب عام 1972، وجاءت الرواية في ذروة مشروعه الأدبي الذي انشغل بالإنسان العادي في مواجهة الحرب والسلطة والأيديولوجيا.
تبدو «صورة جماعية مع سيدة» أكثر من رواية عن ليني؛ إنها صورة لألمانيا وهي تحاول أن تتذكر ما حدث، وأن تتصالح مع ماضيها دون أن تفقد إنسانيتها. وربما هنا تكمن قوة بُول: في أنه لا يكتب التاريخ من وجهة نظر المنتصرين، بول من خلال أولئك الذين عاشوه في تفاصيلهم الصغيرة، وحاولوا، رغم كل شيء، أن يظلوا بشرًا.

