صخرة كيركيغارد.. تتذكر حلم كامل شياع المؤجل

جمال العتّابي
ثمة أمكنة لا تنتهي عند حدود الجغرافيا. تبقى مفتوحة على الذين مرّوا بها، وآخرين لم يستطيعوا الوصول إليها. وثمة حجارة تتحول، بفعل الذاكرة، إلى رسائل صامتة، وأمكنة تجذب الزوار.
في جزيرة (شيلاند) أكبر جزر الدنمارك، حيث يلامس بحر كاتيغات حافة اليابسة، ينتصب حجر تذكاري يحمل اسم الفيلسوف الدنماركي “سورين كيركيغارد 1813 ـ1855”. هنا، كان يجد في العزلة واتساع البحر فسحة للتأمل والتفكير، ويجلس طويلاً يتأمل العالم والإنسان والأسئلة التي ستصبح لاحقاً جوهر مشروعه الفكري. أقيم الحجر التذكاري عام 1935، في الذكرى المئوية لزيارته الأولى للمكان.
غير أن لهذا الحجر، بالنسبة إلى عراقيي المنفى، حكاية أخرى لا يعرفها الحجر نفسه.
في عام 1996 كانت كوبنهاغن عاصمة للثقافة الأوروبية، وكانت مدن المنفى العراقي قد صنعت، في تلك السنوات، فضاءً ثقافياً موازياً للوطن الغائب. وفي قلب تلك الفعاليات جاءت تجربة “تحت سماء أخرى”، التي كان للفنان عباس الكاظم دور أساسي في تنظيمها، بمشاركة فنانين من بلدان عديدة، وبحضور أسماء عراقية ثقافية، كان المنفى قد جمعها على أسئلة الوطن والفن والحرية. من بين الذين أسهموا في الإعداد لهذه الفعالية الشاعر فوزي كريم، والكاتب كامل شياع، إلى جاب الفنان الكاظم. البرنامج لا يقتصر على المعارض والندوات، بل يفتح للضيوف أبواب المدن والمتاحف والأمكنة التي تختزن ذاكرة الدنمارك الثقافية. ومن بين تلك الأمكنة كان موقع حجر كيركيغارد.
ذهب فوزي كريم إلى هناك. أما كامل شياع، فقد حالت ظروفه دون أن يرافقه في تلك الرحلة. كان فوزي قد عاد إلى لندن وهو يحمل في ذاكرته صورة المكان: البحر، الحافة العالية، الريح، الخضرة، والحجر الذي ترك عليه كيركيغارد اسمه، كأنما ترك جزءاً من صمته هناك. حدّث كامل عن الزيارة، وعن ذلك الموضع الذي كان الفيلسوف يأتي إليه ليصغي إلى ذاته بعيداً عن ضجيج المدينة. كتب عنها بعاطفة الهبت مشاعر شياع على أمل زيارة الحجارة في فرصة ثانية. لكن الحياة لا تمنح دائماً المواعيد التي نؤجلها.
لعل هذا التفصيل الصغير هو الذي منح المكان، بعد سنوات، معنى آخر
كيركيغارد نفسه كان فيلسوفاً جعل من الفرد وتجربته الداخلية مركزاً للتفكير. هو مؤسس الفلسفة الوجودية المعاصرة، وممثل التيار الوجودي المسيحي المؤمن، لا المادي، لذا يعد أحد كبار فلاسفة الدين، لم يكن منشغلاً بالإنسان بوصفه رقماً في جماعة، بل بوصفه كائناً يقف وحيداً أمام الاختيار والقلق والإيمان والمسؤولية.
منذ ذلك الحين، صار الطريق إلى صخرة كيركيغارد طريقاً آخر إلى كامل، كل آب، يعود الفنان عباس الكاظم إلى المكان. مع مجموعة من الأصدقاء العراقيين، يحملون الزهور، يقفون أمام الحجر.
أمام اسم كيركيغارد المحفور في الصخر. يتقدم عباس من بينهم يضع صورة كامل شياع في أسفل الصخرة، يحيطها بالزهور. ثم يبدأ بتلاوة رسائل كامل إلى أصدقائه، كتبها في أوقات مختلفة: إشارات، إحالات واحتمالات، نبؤات، أحلام ضائعة، قراءات فكرية غزيرة، وتأملات عميقة، كانت أكثرها قسوة تلك التي ترقب فيها موته.
تتجاور الصورتان: كيركيغارد الذي كان يجلس هنا وحيداً ليكتب عن القلق والاختيار واليأس والإيمان، وكامل شياع الذي كان يفكر في وطنه البعيد، وفي الإنسان الذي يستحق وطناً أقل قسوة وأكثر عدلاً.
يمر الزمن، ويبقى الحجر.
في آب من عام 2003، عاد كامل شياع إلى بغداد. غادر المنفى إلى فضاء الوطن، حاملاً معه إيمانه بأن العراق لا يُترك للخراب، وأن المثقف يستطيع أن يكون جزءاً من عملية استعادة الحياة. وفي آب 2008 كان الموت يترصده، في الثالث والعشرين منه، ليصبح ذلك اليوم فاصلاً بين حياة رجل ومشروعه، وبين وطن كان يحلم بالمساهمة في بنائه، ووطنٍ ابتلعته يد العنف.
وفي كل آب، يحمل عباس الكاظم الورد، يمشي نحو الشاهد، كما لو أنه يمشي إلى موعد تأخر كثيراً. كان البحر في الأسفل يمدّ زرقة لا تنتهي، ريح أب تحرّك الأشجار بقوة، معها يتمايل العشب حول الحجر، فيما يظل اسم كيركيغارد محفوراً في الصخر، ثابتاً أمام الزمن. يلتفت الكاظم صوب البحر كأن صوت كامل يأتيه من بغداد، يحمل أسئلة الوطن، فيجيبه:
ـ نعم يا صديقي، البحر هنا، والحجر لم يتغير، وحدك لم تصل! فجئت إليك أنا أحمل شيئاً من حلمك المؤجّل.
ـ كنت أظن أنني سأعود إلى هنا يوماً.
ظل عباس صامتاً، وضع صورة شياع على الصخرة، لتصبح شاهداً على صداقة تقاوم الموت. والزهور لمقاومة النسيان، وضع عباس آخر وردة ونهض: ظل الحجر صامتاً.

