رانيا يوسف تكتب: فيلم رفعت عيني إلى السماء رحلة أحلام مكسورة

لحظات تحول في حياة مجموعة فتيات قرية البرشا بمحافظة المنيا جنوبي مصر، تم توثيقها في الفيلم الوثائقي «رفعت عيني إلى السماء» للمخرجتين ندى رياض وأيمن الأمير. حصل الفيلم على جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي.
يكسر الفيلم بشجاعة شديدة كل الصور النمطية عن الناس في صعيد مصر ويقدم مرثاة بصرية مبهجة وصادقة عن سعي الفتيات لإنشاء فرقة غنائية فلكلورية وتراثية وتقديم عمل مسرحي ليشاهده أهل القرية، يعبر عن الأسئلة الوجودية التي تعيش فيهن مثل الحب والزواج والعمل والأمومة.
يتعمق الفيلم في تفكيك نمط الحياة الخاص جدًا في صعيد مصر، والذي رسخ نفسه في الوعي العام كبيئة مغلقة لا تسمح للفتيات بممارسة الفن. لا يهدف الفيلم إلى إدانات خارجة عن المألوف لأي طرف، ولا يقدم صراعًا ميلودراميًا حول حياة الفتيات في صعيد مصر، بل يرصد واقعًا معقدًا وإنسانيًا للغاية.
تتأرجح الفتيات بين شغف إنشاء العرض المسرحي والغنائي، الذي يمولنه بأبسط الوسائل المتاحة، وبين جدار الواقع السميك الذي يمنعهن من تحقيقه، وينطلقن في رحلة نشر ومراعاة الظروف الاجتماعية، وعبر سنوات من العيش بعد رحلتهن إلى مرحلة البلوغ وتغير الظروف من حولهن، نشاهد سعيهن المتواصل وتغير عزيمتهن.
فمنهم من يستسلم للطريق التقليدي ويتزوج وينجب، ومنهم من يخطو أولى خطواته نحو الالتزام، فيما تبرز بينهم روح متمردة ترفض الاستسلام ويتشبث بحلمه حتى النهاية بتقديم أوراقه إلى المعهد العالي للفنون المسرحية.
ولعل المفاجأة الأبرز والأبرز في هذه الرواية الوثائقية هي طبيعة العلاقة بين الآباء وبناتهم، والتي كانت على خلاف ما كان متوقعا تماما. يكسر الفيلم الصورة النمطية السائدة عن الأب الصعيدي الحاد والصارم في قراراته، ويوجهنا إلى حوارات ونقاشات عائلية دافئة وثرية يحاول كل طرف فيها توضيح موقفه ومخاوفه دون فرض استبدادي أو وصاية مطلقة، وهو ما أعطى العمل عمقا إنسانيا حقيقيا.
وفي ما يبدو اتفاقاً ضمنياً يحكمه العرف والتقاليد، فإن إصرار الأهالي على تزويج بناتهم لا يبدو عملاً من أعمال الإكراه العنيف، بل من منظور اجتماعي راسخ يرى أن الزواج وبناء الأسرة هو المسار الطبيعي للمرأة في الحياة.
يبدو الحلم في البداية مشتركاً بين الفتيات، ولكننا نرى الاستمرارية والإصرار في تحقيقه أمراً فردياً يعتمد على عوامل أحياناً خارجة عن سيطرة الفتاة. حلم الزواج وإنجاب الأطفال والسعي وراء الحب والاستقرار كلها أحلام مشروعة، لكنها في هذه الأماكن البعيدة تبدو ضرورة لا مفر منها للمرأة لمواصلة الحياة.
تم تصوير الفيلم على مدى السنوات العديدة التي عاشها فريق الفيلم معًا، بعد رحلة العاطفة والحسرة والحب والأمل والطموح. لم يعتمد على ممثلين محترفين أو نص مكتوب، بل سمح للكاميرا بمتابعة شخصيات الفتيات المتغيرة مع مرور الوقت، وكيف نمت أحلامهن، وكيف اصطدمت بالواقع، وكيف استمرت بعضهن في المقاومة.
وتمكن المخرجان ندى رياض وأيمن الأمير من تقديم صعيد مصر بشكل يخرج عن الصورة النمطية المعتادة في الدراما التي يعتمدانها من منظور الدم والانتقام والجهل، مع إبراز الطاقة الإبداعية والفنية التي تنبثق من قلب القرى، بالإضافة إلى الاحتفاء بالهوية المحلية للموسيقى التقليدية، مما يضفي جوًا من الأصالة على الفيلم.
وتأتي الخاتمة محملة برمزية بصرية مكثفة، إذ ينتهي الفيلم بعرض مسرحي بسيط في الشارع، لكن الأبطال هذه المرة أطفال أصغر سنا من بطلات العمل الرئيسية.
وكأن المخرجين يريدون صياغة رسالة أمل بأن تتعاقب الأجيال الموهوبة في هذه المنطقة وتتوارث نفس الشغف، وأن الرغبة في التعبير عن الذات لن تنتهي، بل ستبقى حية، تنقلها أيادي الفتيات إلى قلوب الشباب.
فيلم «رفعت عيني إلى السماء» ليس مجرد فيلم سينمائي، بل هو وثيقة حية للشجاعة والأمل. وعلى الرغم من طابعها المحلي، إلا أنها تنقل رسالة عالمية حول حق الفتيات في الحلم وتحديد مصيرهن.



