ثقافة وفن

في سيارة نجيب المانع

سعد هادي
كان عنوان محاضرة «نجيب المانع»، التي ألقاها في قاعة «اتحاد الأدباء» في تلك الأمسية الشتائية الباردة، هو «التراث، هل هو مقلع أم بستان؟
لا أتذكر تاريخ إقامة الأمسية تماماً، لكنني أعتقد أنه كان في أحد أيام الأربعاء الأخيرة من سنة 1975، وهي السنة التي بدأتُ فيها عملي محرراً في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، وقد ذهبت لحضورها برفقة صديقي «حسين عجة»، الذي كان أحد المحررين البارزين في المجلة، وأحد الذين رافقتهم في بداياتي وتعلّمتُ منهم، كنتُ ما أزال في التاسعة عشرة، أطمحُ أن أكون صحفياً وكاتباً ومثقفاً، يدفعني الفضول والرغبة بالتعلم، ولعلي ما زلت أسعى إلى ذلك بتأثيرهما بعد نصف قرن.
كان حسين قد حدّثني عن علاقته بنجيب المانع، وذكر لي أنه كان يلتقي به بين حينٍ وآخر، منفرداً أو مع آخرين من مجايليه الستينيين، وسرد لي وقائع من تلك اللقاءات، وكيف أن المانع كان يشيد بثقافته وبقدرته الكلامية، إذ كان حسين وما زال متحدثاً بارعاً، لابد لمن يصغي إليه أن يعجب بطلاقته اللفظية، وقدرته على صياغة الأفكار، وإعادة التأليف بين عناصرها، وتحويلها إلى سياق خاص به، لذا لم أستغرب حين صافح المانع صديقي بحرارة حال دخولنا إلى القاعة، وسأله عن أحواله، ولماذا لم يعد يزره كما كان يفعل قبل سنوات، ردَّ حسين بأنه منشغل بعائلته، وبابنته التي رأت النور قبل أسابيع، إلى جانب عمله الذي يأخذ الكثير من وقته.
استغرقت المحاضرة، وقد نشر نصها لاحقاً في أحد أعداد مجلة «آفاق عربية» مع تعقيبات الحاضرين أكثر من ساعة، وحين انتهت اعتذر المانع بعد دقائق قليلة من جلوسه إلى إحدى الموائد، وجلوسنا معه، لمضيّفيه وقال لحسين: لنذهب إلى مكانٍ آخر. بقيتُ حائراً وأنا أراهما يتجهان نحو الخارج، متسائلاً مع نفسي: ماذا عليَّ أن أفعل؟ لكن حسين التفت وأشار إليَّ أن ألحق بهما، وعند وصولي إلى سيارة المانع في مرأب الاتحاد، قدّمني إليه، فصافحته وأنا محرج، ابتسم وقال بضع كلمات، أزالت بعض حرجي.
قاد المانع السيارة باتجاه شارع «السعدون» وظلَّ يتحدث هو وحسين عن أمورٍ شتى، بينما واصلت أنا التفكير في هذه الفرصة، التي لا أدري كيف توفّرت لي، أن أكون في سيارة يقودها هو، وأن أصغي لما يقوله عن قرب، كان انطباعي الأول عنه أنه رجل شديد التهذيب، معتد بنفسه، مرح قليلاً، مع بعض التوتر الذي يمكن ملاحظته في تعابيره وجهه وحركة يديه وكذلك صوته بنبراته المميزة، إلى جانب أناقته ووسامته وقامته المديدة. وقد أضفى ذلك الانطباع إطاراً واقعياً للصورة التي كوّنتها في ذهني عنه مسبقاً، كاتباً ومترجماً ومثقفاً، يُوصف بالموسوعية والتنوع والحداثة وسعة الاطلاع، يمارس تأثيره عن بعد، إذ لم يكن من الشخصيات التي تتردد على المقاهي ولا على الأماكن العامة، التي تعوّدنا أن نذهب إليها، ولا على مقرات الصحف أو الدوائر الإعلامية، التي يعمل الكثير من الأدباء فيها، ولا على اتحاد الأدباء، الذي تجمع أماسيه المعنيين بالشأن الثقافي بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم ومواهبهم، كما تستقطب المتأدبين المبتدئين من صنفي، كنا نمضي إلى تلك البناية لنتعرف على وجوه وشخصيات مَن نقرأ لهم أو نسمع عنهم، فنحظى بصداقات بعضهم، لتستمر تلك الصداقات لاحقاً أو تنقطع لسببٍ ما، أما هو فكنا نعرفه من خلال ترجماته المتميزة، ومقالاته التي ينشرها بين حينٍ وآخر، أو من خلال أحاديث ومرويات الآخرين عنه، والتي كانت تضيف غموضاً ورمزية إلى شخصيته، وقد زادت العزلة والابتعاد عن الأضواء من حضورها في أذهاننا، ومنحتها مكانةً، لا يمتلكها العديد ممن كنا نتعامل معهم كزملاء وأصدقاء أو حتى كأساتذة.
قبل أن نصل إلى ساحة «النصر» قال المانع مقاطعاً حسين الذي واصل حديثه، مسترجعاً بعض الملاحظات التي لفتت انتباهه في المحاضرة، عن مفهومي التراث والمعاصرة: هل ستذهبان إلى مكان ما؟
ردَّ حسين: لا ندري، جئنا لرؤيتكَ والاحتفاء بكَ، وهذا يكفي.
همهم المانع وهو يستدير باتجاه شارع «أبي نواس»: لا بأس إذا.ً
بعد دقائق أوقف السيارة، أمام بوابة مطعم «الجندول» وقال: تفضلا.
كان ذلك المطعم من بين أشهر وأفخم مطاعم «بغداد»، في تلك السنوات، ويقع في بداية الزقاق المؤدي إلى سينما «سمير أميس».
حاولتُ الاعتذار قبل أن ندخل إلى المطعم، متذرعاً بأنني أسكنُ في مكان بعيد، وكذا كان عذر حسين، الذي أكد للمانع أن حضورنا للأمسية ولقاءنا به، هما ما أردناه وقد تحقق، لكن المانع ردَّ بأريحيةٍ وهو يبتسم: لن نتأخر كثيراً، لا تهتما، سأوصلكما إلى حيث تريدان.
أردف وهو يختار طاولة تطل على الشارع: يا حسين، إنها مناسبة لن تتكرر، دعنا نحتفل بها.
بعد دقائق كانت البيرة قد حضرت، مع صحون مقبلات من مختلف الأصناف، وكان المانع قد بدأ يجيب على تساؤلات حسين بشأن عمله، وآخر ترجماته وكتاباته الفكرية والأدبية، كما أجاب حسين على أسئلة مشابهة طرحها المانع، وبقيت أنا صامتاً أنصت وأبتسم وأتمتم، لم يفارقني خجلي بالطبع ولا إحساسي أنني في مكان غريب، يتطلّب مني وأنا الصعلوك أن أتصرّف على وفق قواعد لم آلفها، وقد انتبه المانع إلى ذلك، فحاول أن يشركني في الحديث، قال لحسين: يبدو أن قريبك خجول…
فأوضح حسين أنني لست قريبه، بل صديقه وزميله، أعمل منذ شهور محرراً في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، التي يعمل بها، ولي تجارب في كتابة القصة القصيرة.
أضفتُ من دون أن يفارقني خجلي: أكملتُ الدراسة الإعدادية تواً، لكنني لم أحصل على قبول في إحدى الجامعات، ولا أدري ماذا سيكون وضعي في العام القادم.
أبدى المانع تعاطفه معي، وقال لي: استمر بالكتابة، مهما كانت الظروف، لا تيأس، كلنا واجهنا المصاعب، بل ما زالت تطاردنا.
ثم سألني: هل نشرت شيئاً؟ فأجبت: بعض القصص القصيرة هنا وهناك.
قال: كانت لدي تجارب في كتابة القصة خصوصاً في الخمسينيات، نشرتها في مجلات تلك الأيام، ولم أعد أمتلك نسخاً منها.
قلت وأنا ابتسم: قرأتُ بعضها، وذكرت له عنوان قصته «فولكنر على نهر الغراف»، التي قرأتها في عدد لمجلة «المثقف» البغدادية، صدر عام 1958، وظلَّ عنوانها ماثلاً في ذاكرتي.
نظر إليّ باستغراب وقال: أهذا معقول؟ كيف حصلتَ على ذلك العدد؟
قلتُ: أهوى اقتناء المجلات والكتب القديمة، لديَّ طبعات نادرة لبعض الكتب، التي لم يعد يمتلكها حتى مؤلفوها، كما أبحث عن نصوصهم في مجلات لم تعد تصدر الآن.
ضحك هو، كما ضحك حسين وقال معقباً:

  • هكذا هو، يفاجئني دائماً، فبالرغم من حديثنا عنك مراتٍ عدة، لم يذكر لي أنه قرأ تلك القصة ولا غيرها من كتاباتك الأولى.
    ما أتذكره من تلك القصة بعد أكثر من 50 عاماً على قراءتها، أنها كانت عن امرأة ريفية تقف على الطريق، بانتظار مرور سيارة توصلها إلى مكانٍ ما، وحين تأتي السيارة أخيراً وتصعد إليها، تلتقط كيساً تجده قربها، لا تعرف ماذا يوجد فيه، ثم تهبط لتذهب إلى قريتها قرب نهر الغراف «أو هكذا أتذكر» وهي تخفي الكيس، يخبرنا الراوي أو نكتشف ذلك من خلال السياق، أن فيه كتاباً للكاتب الأمريكي «وليم فولكنر» لا يدري ماذا سيكون مصيره هناك.
    تواصل الحديثُ بعد ذلك، أتذكّر أن المانع ذكر شيئاً عن بدئه بكتابة نص طويل، يراقب نموه وتعدد اتجاهاته بشغفٍ واستمتاع، لعله روايته الوحيدة «تماس المدن»، التي صدرت طبعتها الأولى في بغداد عام 1979.
    تحدَّث لنا أيضاً عن عمله الذي كان قد بدأه أو على وشك أن يبدأه، رئيساً لقسم الترجمة في وزارة الثقافة والإعلام، وذكر متهكماً أنه قدم قائمة بالكتب التي يقترح ترجمتها إلى مدير عام الثقافة، وكان من بينها رواية «مارسيل بروست»، البحث عن الزمن الضائع، والتي تتألف من 7 أجزاء وبما يزيد على 4000 صفحة، فكتب المدير في أسفل القائمة، أنه يريد ترجمة هذه الرواية فوراً، طلب المانع لقاءه، وأوضح له أن ذلك يستدعي تفرغه لسنوات، لا يكون معه فيها سوى نص الرواية، واستطرد المانع ضاحكاً: تصورا أن من يرأسني وظيفياً الآن مدير للثقافة على هذه الدرجة من الثقافة.
    أتذكّر أيضاً أن المانع تحدّث أيضاً عن مقاله عن «أم كلثوم»، الذي نشره قبل أسابيع، وقد ذكره حسين عرضاً، كما تحدّث عن لقاءٍ جمعه في بيروت مع الشاعر «أدونيس»، استفاض فيه في الإشادة بعبقرية «أم كلثوم»، ومساحة صوتها الهائلة، وقابليتها الاستثنائية على الأداء، إلى جانب مكانتها الفنية والاجتماعية، ما جعل «أدونيس» يتراجع عن موقف سابق كوّنه عنها وعن موسيقى الشرق. فلتلك الموسيقى كما أردف المانع مكانتها وطرازها الخاص، ولا يمكن للمثقفين أو مدّعي الثقافة، استبدالها بالموسيقى الغربية، كلاسيكية كانت أم معاصرة، والتشدّق بأنها من مكملات شخصياتهم الحداثوية، أو من عناصر تميّزها، وهنا ضحك حسين، وأشار إلى شاعر معروف، حضر معه ومع آخرين أمسية في بيت المانع، اقترح فيها بعد حديثٍ شيّقٍ عن الموسيقى، سماع احدى السيمفونيات، فما كان من هذا الشاعر حين وضع المانع الأسطوانة في الحاكي، إلا أن استرخى فوق مقعده بطريقة غريبة، كأنه يستعد للنوم، وأغمض عينيه ووضع يده عليهما، ولم يعد إلى وضعه الطبيعي إلا بعد أن انتهت الأسطوانة، ضحك المانع وقال: لقد لاحظته أيضاً، وأضاف: ولِمَ لا؟ مادام ذلك يساعده على السماع والفهم.
    بعد ساعتين تقريباً خرجنا من المطعم، ولم تُجدِ محاولات حسين، في ثني المانع عن فكرة إيصالنا، قال: سأوصلكما إلى حيث تريدان، كما وعدتكما. ولحسن الحظ كنا في الاتجاه نفسه.
    أوصلنا حسين أولاً إلى شارع «النواب» في «الكاظمية»، حيث كان يسكن، ثم اتجه بي المانع إلى بيتنا في مدينة «الحرية الثانية»، والذي كنا قد انتقلنا قبل أسابيع قليلة، ظلَّ يتحدث وأنا أصغي، لا أتذكر الآن عمَّ ولا في ماذا، كنتُ منتشياً، أشعر بسعادة غامرة لأنني أجلس إلى جانب أحد رواد الثقافة الحقيقيين وأبرز أعلامها، بل هو الذي يقود السيارة التي ستوصلني إلى حيث أريد، كان الشارع شبه مظلم، وشبه خال من المارةِ والسيارات، سألني أخيراً: هل أنت متأكد من الطريق؟ قلت وأنا أشير إلى بداية الزقاق التالي: نعم، ذلك هو الزقاق الذي يقع فيه بيتنا، ابتسم وصافحني وقال: أتمنى أن نلتقي في أوقات أخرى، وأنت بحالٍ أفضل، ثم لوّح لي وهو يستدير بسيارته، ويعود من حيث أتينا، أتذكّر وجهه في تلك اللحظات، كان حزيناً ومتعباً، أتذكّر الظلال التي ارتسمت فوق ملامحه، وقفتُ أنظر إلى السيارة وهي تبتعد، شعرتُ أنني أقف عند حافة ظلام يكاد يطبق على كل شيء، وبالذات على حياتي التي ستسلك طرقاً متعرجة، وستتداخل أمامها المنعطفات والعقبات.
    أما اللقاء الذي اقترحه هو، مجاملةً لي، فلم يحدث إلا بعد سنوات، لم يكن لقاءً، بل رأيته بشكل عابر أواخر عام 1981، يهبط من الباص، قرب تقاطع شارعي «أوكسفورد» مع «توتنهام كورت رود»، حين كنتُ أقيم في «لندن»، لا أدري إلى أين كان يتجه، ولا من أين جاء، لم أكن متيقناً في البداية أنه هو، نظر إليَّ وابتسم، لكنه لم يتذكّرني بالتأكيد، كانت ملامحه هي نفسها التي ارتسمت في ذاكرتي، حين لوّح لي مودعاً في تلك الليلة، مرَّ من أمامي بقامته المديدة، ثم سار ببطء على الرصيف، سرتُ بعد ثوانٍ بالاتجاه المعاكس، سار كلانا باتجاه قدره، باتجاه ما سيصنعه في ما تبقى من أيامه، أو باتجاه ما ستصنعه الأيام به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى