أزمة المحكمة الدستورية تهز بولندا … هل ما يجري”انقلاب”؟

يلتقي الرئيس البولندي السبت (31 تشرين الأول/أكتوبر 2026) ممثلين لأحزاب الغالبية والمعارضة في محاولة لإيجاد مخرج للأزمة السياسية والمؤسساتية، بعدما سجلت تصعيدا ملفتا الجمعة مع تدخل الشرطة في مقر المحكمة الدستورية في وارسو. وأورد بيان تلاه بافل شيفرناكر، مدير مكتب الرئيس كارول نافروكي، أمام المحكمة الدستورية في وقت مبكر صباح السبت: “في ضوء التهديد الذي يواجه الأمن الداخلي لجمهورية بولندا، أدعو اليوم إلى مشاورات عاجلة بمشاركة ممثلين للقوى البرلمانية”.
وكانت المحكمة الدستورية التي يرى الاتحاد الأوروبي أنها خاضعة بشكل مفرط للسلطة السياسية، محور صراع بين بروكسل وحزب “القانون والعدالة” القومي خلال توليه الحكم بين العامين 2015 و2023. فمنذ 2015، عمدت حكومة حزب “القانون والعدالة” إلى تعيين قضاة أصحاب ولاءات سياسية معلنة في المحكمة، وهو أمر لا يعترف به الاتحاد الأوروبي، ولا رئيس الوزراء البولندي الحالي دونالد توسك المنتمي إلى يمين الوسط.
الحكومة تتحرك بالقوة
ومنذ عودته إلى الحكم العام 2023، تعهد توسك الذي سبق أن تولى رئاسة المجلس الأوروبي، حل هذه الأزمة. لكن جهوده لم تنجح الى الآن، إذ رفض الرئيس البولندي نافروكي المصادقة على التعيينات التي اقترحتها الحكومة والبرلمان بشأن المحكمة.
وبعد تعثر جديد مع استحالة التصويت على موازنة المحكمة، تسارعت الأحداث بشكل مفاجئ الجمعة، إذ اقتحمت شرطة مكافحة الشغب مقر المحكمة وفرضت طوقا حوله، فيما طلب وزير العدل الذي يشغل أيضا منصب النائب العام، رفع الحصانة عن رئيس المحكمة الذي عينه حزب “القانون والعدالة” اليميني عندما كان في السلطة.
وأعلنت قاضية معيّنة من الغالبية أخيرا أنها ستتولى رئاسة المحكمة مؤقتا. وقال توسك “من واجبنا استعادة سيادة القانون. فبعد سنوات من الممارسات غير القانونية في ظل حزب القانون والعدالة، إنها عملية صعبة، وأحيانا مؤلمة، وتتطلب تحركا حازما. وليس ثمة سبيل آخر”.
الرئيس يقطع رحلته في الجو
وجاء انتشار قوات الأمن البولندية في وقت كان الرئيس نافروكي في طريقه إلى السنغال، حيث كان مقررا أن يحضر افتتاح دورة الألعاب الأولمبية للشباب. غير أنه سرعان ما عاد وتوجه إلى المحكمة مساء الجمعة. وأظهرت لقطات تلفزيونية أنه تمكن من دخول المقر على وقع اتهامه بدفع قضاة حاولوا منعه من القيام بذلك، وفق ما أظهرت لقطات تلفزيونية، ثم غادر المحكمة في وقت متأخر من ليل الجمعة السبت.
ويتظاهر أنصار لحزب “القانون والعدالة” منذ أسابيع عدة أمام المحكمة الدستورية، تعبيرا عن دعمهم لقضاتها. وفي تصريح لمراسل وكالة فرانس برس، ندد أحد المتظاهرين توماش زاليسكي بما يحدث وقال “إنه انقلاب يقوم به رئيس الوزراء دونالد توسك… إنه يدوس حقوقنا الدستورية”.
وبعد تدخل الشرطة الجمعة، انضم إلى المتظاهرين زعيم حزب “القانون والعدالة” ياروسلاف كاتشينسكي، إلى جانب مسؤولين آخرين من اليمين واليمين المتطرف.
وفي ما يتعلق بإدارة المحكمة الدستورية، فقد سادت حالة من الارتباك التام إثر ليلة مضطربة. إذ أعلنت القاضية آنا كورفين-بيوتروفسكا التي عيّنتها الحكومة الحالية تعليق مهام رئيس المحكمة بوغدان شفيتشكوفسكي، مشيرة إلى أنها ستتولى منصبه مؤقتا. غير أن الأخير يحظى بدعم المعارضة والرئيس، ويؤكد من جانبه أنه مستمر في منصبه.
من جهته، اتهم مدير مكتب الرئيس السبت دونالد توسك بـ”افتعال أزمة في الدولة” و”تعريض الأمن البولندي للخطر”.
الأيقونة العمالية ليخ فاونسا يعلن دعمه لتوسك
أعلن الحائز على جائزة نوبل للسلام، الرئيس البولندي السابق، ليخ فاونسا، اليوم السبت، دعمه لرئيس الوزراء دونالد توسك. وكتب فاونسا في منشور على صفحته على فيسبوك: “الوطن في خطر”، مضيفًا: “أقف إلى جانبكم في الخط الأمامي، أياً كانت الظروف”، ودعا رفاقه “من نضالنا المشترك” إلى دعم القضية.
وقاد فاونسا في أغسطس/ آب 1980، إضرابا في حوض بناء السفن “لينين” بميناء غدانسك، أرغم الحكومة الشيوعية على تقديم تنازلات وأسفر عن تأسيس نقابة “التضامن” ، أول نقابة عمالية مستقلة في المعسكر الشيوعي. وأصبح الكهربائي، المعروف بشواربه المميزة، رمزًا لنضال بولندا من أجل الحرية.
استقالة سفراء
وكرد فعل على هذا التطور وتجسيدا للانقسام السائد في البلاد، أعلن سفيرا بولندا في الصين ورومانيا استقالتهما، وهما مقربان من التيار القومي.
وأعرب السفير الأميركي في وارسو توم روز عبر منصة “إكس” عن أسفه لما اعتبره “مواجهة غير مسبوقة” تتعلق بـ”استقلالية وسلطة مؤسسة دستورية”. ودعا جميع الأطراف إلى “الامتناع عن أي عمل قد يؤدي إلى العنف” في بلد “صديق وحليف” وعضو في حلف شمال الأطلسي، ويعد استقراره أمرا بالغ الأهمية للدعم الغربي لكييف.
وبولندا التي تتشارك حدودا مع كل من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، هي من أكبر الداعمين لأوكرانيا، فضلا عن كونها نقطة الدخول الرئيسية للمساعدات الإنسانية والعسكرية إليها منذ بدء الغزو الروسي العام 2022.



