ثقافة وفن

(مداراتٌ في المعرفة والثقافة).. السير مع هاجس الكائن البشري

علاء المفرجي
يسعى كتاب (مداراتٌ في المعرفة والثقافة) للقاص والباحث العراقي ميثم الخزرجي إلى مناقشة عددٍ من المفاهيم الأخلاقية والإنسانية التي لحقت بالكائن البشري، محتكمًا في ذلك إلى الجدل بمعناه المعرفي، ومستدلًا بآراء الفلاسفة والمشتغلين في الحقل الفكري على وفق نتائجهم التي خرجوا بها بعد سفرٍ طويلٍ من الصراع الوجودي والقيمي الدائر، فضلًا عن مدى انسجام الواقع لطروحاتهم التي أسسوا لها عبر حقبةٍ من الزمن، وقد تناول الكتاب في جوانب عديدة منه السير مع هاجس الكائن البشري بعناية لما أصابه من مآزق وجودي حيال مستجدات الأوان الأيديولوجية والتكنولوجية. ليفي في بعضٍ من متونه طبيعة السمات الجوهرية التي تخص إنسان هذا العالم كالعبث والتمرد والخشية وصلته بالأحكام الغيبية، وفاعليته مع المحيط، وكيفية التعاطي مع قضاياه الكبرى مثل الحياة والموت مشيرًا إلى الاعتبارية القيمية للمهيمنات النسقية المحاط بها، والتي بدورها شكّلت وحدته الثقافية وعن مصدر هذه المهيمنات وكيفية استقرارها في حقيقة النفس البشرية لتؤثر على سياقه العام من حيث التعامل مع الموجودات على اختلاف طبيعة هذه الموجودات لتخلق له نظره مغايرة على الأصعدة كافة، ويرى الكتاب، إن هذه التحولات التي جاءت على المستوى الجوهري كلها مقدَّرة على وفق المساحة الذهنية المعنية بالإنسان نفسه والمحرض المعرفي الذي يدفعه للتوقف عند محاور مثل هذه، وقد تزيد أو تنقص هذه المساحة تبعًا لقابليته على التغيير من حيث الموجهات الثقافية الداخلة في حصّالته الفكرية، أو عن طريق طبيعة الطقس العام الذي يحيطه، علّه استقراء يتمخض عن دلالةٍ نسقية، أو فطرةٍ جُبل عليها، أو وعيٍ له درايته.
وقد نوه الكتاب في مواطن معينة إلى إضاءة الأنساق المضمرة والمتوارية لبعض من الظواهر الاجتماعية التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالشعر من دون غيره مثل الصعلكة، وعن الأسباب التي دفعت شاعرها إلى النزوع نحو فضاء صاخب مثل هذا، فضلًا عن الواعز الذي حرّض كثيرًا من الأدباء -على اختلاف متبنياتهم- إلى الانزواء والانكفاء خارج المشهد ليزاولوا العزلة بوصفها خلقًا وجوديًا يترتب عليها معايير فكرية ونفسية مسؤولة لينتجوا لنا مدونات أدبية مختلفة نستشعر من خلالها خطابًا ناقمًا على جملةٍ من المحاذير الايديولوجية والأغلال المجتمعية التي قيّدت عزيمتهم للوقوف عند سياقاتٍ رجعيةٍ شكّلت وعي المحيط وبان أثرها واضحًا عبر التعاطي مع المشكلات الحياتية، على الرغم من ذلك فقد ظلوا مستمرين برفد المكتبة الأدبية بما هو مثمر, منوهًا في شطرٍ من الكتاب إلى ماهية توظيف الأسئلة الديالكتيكية والكونية في النص الأدبي على إنّها ضرورة تدعم سير النص، وتضيف له عمرًا مضاعفًا علاوة على عمره الفعلي، عازما في التوقف عند بعض الظواهر الثقافية التي خلقت منظومة المجتمعات على المستوى الإنساني والمعرفي.
واقعًا، إن في هذا العصر التقني الذي اشتركت لغة الآلة الذكية مع قرارت الإنسان، أجد من الضروري أن نسلط الضوء على كثيرٍ من المفاهيم الإشكالية التي هيَّأت فاعليته على التعاطي مع مفردات الحياة وأن نفكك مضامينها بوصفها من ضمن مخرجات الثقافة الحالية، التي تظهر الوجه التنويري الحقيقي له. وان نبيّن مدى التغيرات الابستمولوجية التي طرأت على الإنسان في ظل التحولات العلمية والسياسية لتحوك لنا خطابا مختلفا أذكى جذوته على البنية الثقافية والمعرفية للكائن البشري.
يُذكر أن ميثم الخزرجي قاص وباحث واكاديمي عراقي، رئيسا لنادي القصة في النجف صدرت له ثلاث مجموعات قصصية وكتابين في المعرفة، ترجمعت بعض من أعماله إلى اللغة الفرنسية وتناولوا نتاجه في أكاديميات عراقية وعربية وقد اشترك في محافل ثقافية داخل العراق وخارجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى