الفيلـم الروائـي الطويـل فـي العـراق ..مشروع مؤجل أم صناعة غائبة؟

حاوره : علاء المفرجي
لم يكن غياب الفيلم السينمائي العراقي الطويل، أو تراجع حضوره قياساً إلى الإنتاج المتزايد للأفلام القصيرة، مجرد ظاهرة عابرة في المشهد السينمائي العراقي، بل بات يمثل إشكالية تستحق التوقف عندها، والبحث في جذورها الفنية والإنتاجية والاقتصادية والثقافية. فالفيلم الطويل ليس مجرد امتداد زمني للفيلم القصير، وإنما هو مشروع سينمائي متكامل، يتطلب رؤية إخراجية ناضجة، وكتابة سيناريو محكمة، وإمكانات إنتاجية ومالية، وبنية تحتية قادرة على احتضان مراحل إنجازه من الفكرة حتى العرض والتوزيع.
لقد شهدت السينما العراقية خلال السنوات الماضية نشاطاً ملحوظاً في مجال الأفلام القصيرة، وبرزت تجارب شبابية واعدة استطاعت أن تحجز لنفسها مواقع في مهرجانات سينمائية عربية ودولية، وأن تقدم رؤى وأساليب تعبيرية مختلفة. وهذا الحضور، على أهميته، يطرح تساؤلاً مشروعاً: لماذا يظل الفيلم القصير المساحة الأكثر استقطاباً للمخرجين العراقيين، فيما يتعثر مشروع الفيلم الطويل، أو يغيب عن المشهد إلا في تجارب محدودة ومتباعدة؟
هل يعود الأمر إلى شح التمويل وضعف المؤسسات الإنتاجية، أم إلى غياب منظومة سينمائية متكاملة تتبنى المشاريع وتوفر لها فرص التطوير والإنجاز والتوزيع؟ وهل تكمن المشكلة في محدودية النصوص السينمائية القادرة على استيعاب مساحة الفيلم الطويل، أم في طبيعة التكوين المهني للمخرجين الشباب الذين يجدون في الفيلم القصير فرصة أسهل للتجريب وإثبات الذات؟ ثم ما دور الدولة والمؤسسات الثقافية والقطاع الخاص في استمرار هذه الفجوة؟ وأين تقف دور العرض والتوزيع والمنصات الرقمية من معادلة إنتاج الفيلم العراقي الطويل وتسويقه؟
إن هذه التساؤلات لا تستهدف التقليل من أهمية الفيلم القصير أو الانتقاص من قيمته الفنية والجمالية، فهو شكل سينمائي مستقل يمتلك لغته وخصوصيته، وقد يكون محطة أساسية في تكوين المخرج وتطوير أدواته. لكن الإشكالية تكمن في أن يتحول الفيلم القصير من خيار فني إلى بديل اضطراري عن الفيلم الطويل، نتيجة عوائق تحول دون انتقال التجارب السينمائية العراقية إلى مرحلة الإنتاج الروائي الممتد.
من هنا، يأتي هذا الاستطلاع ليضع هذه القضية أمام عدد من السينمائيين العراقيين، مخرجين وكتاباً ومنتجين ونقاداً، لاستكشاف آرائهم وتشخيص الأسباب الحقيقية وراء تراجع إنتاج الفيلم الطويل، والوقوف على المعوقات التي تحول دون استمراره وتطوره، فضلاً عن استجلاء الحلول والمقترحات القادرة على إعادة الاعتبار لهذا النوع من الإنتاج السينمائي.
إن الغاية من هذا الاستطلاع ليست رصد الأزمة فحسب، بل فتح نقاش جاد حول مستقبل السينما العراقية، والبحث عن سبل الانتقال من تجارب فردية متفرقة إلى مشروع سينمائي وطني يمتلك شروط الاستمرارية والحضور والتأثير. فهل يستطيع الفيلم العراقي الطويل أن يستعيد مكانته، وأن يتحول من حلم مؤجل إلى صناعة سينمائية حقيقية؟ تلك هي القضية التي نحاول أن نضعها موضع النقاش من خلال آراء السينمائيين العراقيين.
المخرج سرمد ياسين يتحدث عن معضلة إنتاج الأفلام وتمويلها في العراق، وكيف لشباب السينما تجاوزها، قائلا:
التمويل والحصول على مالٍ لإنتاج فيلمٍ سينمائي معضلة حقيقية، ومشكلة كبيرة يعانيها المخرجون. أنْ تُنتج فيلمك بمالك الخاص، تجربة فاشلة، لأنّها لا تعطي النضوج الفني والفكري والجمالي للفيلم. ستكون تجربة مجتزأة وناقصة، وتحمل أعباء كثيرة في الصناعة، وتظهر العيوب، ولا تكمل العجلة دورتها كاملة، وتؤثّر على الانطباع العام. الفيلم بسيط الإنتاج عبءٌ على السينما لا إضافة لها، لأنّه غير ناضج. مجابهة نقص التمويل والمنح يجب أن تأخذها الدولة على عاتقها، بصفتها المصدر الأول والأخير لاحتضان الإبداع.
بينما يرى المخرج حسن هادي أن ما دفعه إلى العمل على مشروع فيلم طويل سيتبعه بأخر قائلا: بالتأكيد. هذا النجاح يمثّل لي دفعة قوية للعمل على مشروع آخر. لدي أفكار أعمل عليها، وعلى تحضيرها. طبعاً، الأمر يعتمد على الدعمين المالي واللوجستي، اللذين يُمكن الحصول عليهما للفيلم المقبل. أتمنّى أنْ يُشجّع نجاح “كعكة الرئيس” المؤسّسات الحكومية والأهلية على دعم أفلام سينمائية مستقلّة عراقية، تتناول قصصنا، وتتكلم عن شخصياتنا.
المخرج محمد الشمري قال عن المشاكل التي تعانيها السينما العراقية، إلى التمويل والإنتاج، هي “أننا لا نزال نؤسّس ثقافة سينمائية وصناعة حقيقية في الوقت نفسه. لدينا مواهب مهمة، واليوم لدينا مبادرة دعم السينما، التي ساهمت بشكل واضح في تحريك المشهد، لكننا بحاجة إلى أن تتحوّل المبادرة، مع الوقت، إلى صندوق دعم سينمائي مستدام، ليصبح الدعم جزءاً ثابتاً من بنية الصناعة، غير مرتبط بدورة أو مرحلة محدّدة”. يُضيف أنه، توازياً مع ذلك، “نحتاج إلى تراكم حقيقي في التجربة السينمائية، وإلى جمهور يتابع السينما العراقية ويناقشها ويختلف معها، ونقد قادر على مواكبة هذا الحراك”.
ردّاً على سؤال عن أهمية المهرجانات السينمائية في دعم المسعى إلى صناعة الفيلم العراقي، يقول: “المهرجانات جزء من صناعة الفيلم، لأنها تمنح الفيلم العراقي فرصة الوصول إلى جمهور أوسع، وتضعه في حوار مع تجارب سينمائية مختلفة، والأهم أنها تتيح فرصاً للتواصل والتشبيك والتعاون”. ويرى أن المهرجان “محطة أساسية كيلا يبقى الفيلم العراقي محصوراً في حدوده المحلية، لكن أحب الإشارة إلى أن المهرجانات المحلية في العراق لا تزال تراوح مكانها، لعدم إدراكها طبيعة المهرجانات السينمائية، وتعثرها، وانعدام الهوية التي تقام بها”.
ويقول المخرج نورالدين ساري: أفكر في فيلم طويل. لكني لا أرى الانتقال من القصير إلى الطويل مجرد خطوة مهنية، أو رقماً جديداً في السيرة الذاتية. الفيلم الطويل يحتاج إلى عالم يستحق العيش فيه، وشخصيات قادرة على حمل الامتدادين الزمني والدرامي. لذا، أفضل انتظار الفكرة التي أشعر أنها تستحق التحول إلى فيلم طويل، بدلاً من التعامل مع الطويل بوصفه غاية بحد ذاتها.
الأفلام القصيرة التي صنعتها مختبر للغة السينمائية، تعلمت منها الاقتصاد والإيقاع وبناء الشخصية، وكيف يمكن للصورة أن تختصر صفحات من السرد. أعتقد أن هذه التجارب ستكون جزءاً أساسياً من تكويني عندما أخوض تجربة الفيلم الطويل.
المخرج حسين العكيلي الذي له إلى اشتغالاته السابقة، إذْ له أفلام قصيرة كثيرة، يُطرح سؤال: “أما آن الأوان لعمل فيلم روائي طويل، كونك تراكم خبراتك؟”. يقول: “أرى أن الروائي الطويل يمثّل المرحلة الطبيعية التالية في مسيرتي. الأفلام القصيرة مختبرٌ مهم لتطوير أدواتي الإخراجية، وبناء تجربتي الفنية، لكن الانتقال إلى الفيلم الطويل لا يعتمد على الرغبة والخبرة وحدهما، لأنه يتطّلب أيضاً بيئة إنتاجية، قادرة على دعم مشروع بهذا الحجم، تمويلاً وتخطيطاً وتوزيعاً”.
إلى ذلك، يتحدّث العكيلي عن مشكلة التمويل والإنتاج، التي لا تزال عائقاً أمام شباب السينما: “لا يزال التمويل يمثّل التحدي الأكبر أمام السينمائيين الشباب في العراق، لأن صناعة السينما تحتاج إلى استثمارات طويلة الأمد، وبنية إنتاجية متكاملة”. ويرى أن البديل “يكمن في تنويع مصادر التمويل، عبر الشراكات مع القطاع الخاص، والاستفادة من الصناديق والمنح الإقليمية والدولية، وتشجيع الإنتاج المشترك، وبناء مؤسسات إنتاج مستقلة، يمكنها احتضان المشاريع السينمائية الواعدة”.
المخرج ياسر كريم يتحدث عن “عين حرا” الذي أجّلت التزامات سينمائية كثيرة بسببه، أنه مشروع أول روائي لي، أعمل عليه منذ سنوات. رؤية مستقبلية أريد فيها لفت النظر إلى وحش التصحّر والجفاف الذي ينسلّ يوميا بيننا من دون درايتنا. التصحّر والجفاف يرمزان أيضاً إلى عالمٍ تسود فيه رؤى الذكورية.
تتحدّث قصّته عن خمس نساء قُتلن بوحشية، ودُفِنّ في الصحراء العراقية. هناك من يكتشف أنّ مكان الدفن بات حفرة كبيرة بشكل عين، وأنّ النساء الخمس تحوّلن إلى كائنات مرعبة، اسمها “سعالي عين حرا”، أنزلن لعنة الجفاف والعواصف الترابية الدائمة على العراق، وهنّ يبحثن عن آخر معاقل المياه فيه. جزيرة سحرية تختفي وتظهر في الجنوب، تدعى “جزيرة حفيظ السحرية”، لن يتمكن أحدٌ من إيجادها ما لم يعثر أولاً على فتاة موعودة برؤية الجزيرة ومكانها. فئة المشروع دراما ممزوجة بعناصر رعب وفولكلور. إنّه نظرة منبثقة من نظرة العراقي القديم، الذي كان يحسب العاصفة الترابية آلهة شيطانية قادمة من العالم السفلي، هدفها معاقبة البشر وإفنائهم. أرى هذا صحيحاً جداً، فمهما كانت النظرة بدائية، فإنّها مليئة بالمعاني، وأرى أنّنا يجب التعامل معها ليس من كونها صحيحة أم خاطئة، بل لماذا أساساً كان العراقي القديم يفكر بطريقة كهذه، وما الذي دفعه إلى ذلك. ربما نجد جواباً ينقذنا، ولو وجدانياً، من مشكلة لن نصمد أمامها لعشرين عاماً مقبلة، إذْ سيعمّ الجفاف معظم الأراضي العراقية، وسيموت الإنسان والحيوان والنبات، وستحلّ الكارثة، خاصةً مع فشل مشاريع الدولة في هذا المجال، وسكوتنا نحن عنه.
أعتقد أنّ العراقي تحديداً متعطّش لأفلامٍ غير تقليدية. إنّه يشاهد منتجات المنصّات العالمية، ويجد تنوّعاً وفسحة كبيرين، يُبعدانه يومياً، أكثر وأكثر، عن المنتجات المحلية، التي يرى فيها تشنّجاً واضحاً في كلّ مفاصلها. علينا مواكبة الأجنبي كأيّ سلعةٍ يستهلكها الفرد العراقي، وإلا ستكون هذه السلعة قليلة الاستهلاك والوصول إلى الناس، رغم كونها محلية.
ويرى بشير الماجد يرى المشاكل والعوائق التي تعترض الانطلاقة القوية للسينما العراقية، “السينما فنّ جماهيري، ومن دون المتلقّي لما نهضت، وأصبحت من أكثر الفنون انتشاراً. السينما لا يحدّها مكان أو زمان، وهذا لا تجده في الفنون الأخرى، إذْ يُهيمن على كلّها مكان محدّد لعرضها. ففي وقت مُشاهدة متلقٍّ أجنبي فيلماً، يُشاهده متلقٍّ عراقي في الوقت نفسه، عبر وسائل تواصل عدّة. هذا يفتقده المسرح والفن التشكيلي والموسيقى.”
ويضيف الماجد: أهمّ حلول مشاكل السينما العراقية وانطلاقتها، والمعوقات التي تعترضها، كامنةٌ في إيجاد بُنى تحتية لهذا الفن. كم تمنّيتُ لو أنّ الأموال المصروفة على إنتاج أفلام في “بغداد عاصمة الثقافة العربية” خُصِّصت للبُنى التحتية، ولتأهيل دور العرض المهملة، التي عزف الناس عنها لأسباب عدّة، منها فترة الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي، ووسائل توفير الأفلام إلكترونياً، رغم أنّي أجد هذا الأخير غير مؤثّر، لو توفّرت دور عرض مؤهَّلة جيداً لاستعادة ثقافة المشاهدة السينمائية التي اعتدناها.
والمخرج حسين الأسدي الذي قدم عددا من الأفلام القصيرة يقول: “حلمي أنْ أنجز روائياً طويلاً، وبدء علاقة مع جمهور السينما في العراق. بالتأكيد، كلّ نجاحات أفلامي أخبرتني أن لا شيء مستحيل، خصوصاً تجربتي كمنتج في فيلمي الوثائقي الطويل، التي ساعدتني في معرفة كيفية إدارة أمور الإنتاج والتمويل. هذا اختصر عليّ طريقاً كان يُمكن أنْ تكون طويلة. لكنْ، لا يخفى عليك أنّ مهمة صنع فيلم روائي طويل ليست هيّنة فنياً، خصوصاً إذا كان لديك هوس أنْ تكون “مثالياً” في كلّ صغيرة وكبيرة. المُهمّ أنْ أصنع أفلاماً روائية قصيرة قبل بدء إنجاز فيلمي الروائي الطويل.
وعندما سألناه عن السبب في أن يُخرج شبابٌ كثيرون أفلاماً قصيرة، روائية ووثائقية؟ وهل يتعلّق هذا بالإنتاج، أم بمحدودية الخبرة؟
قال: “الأمران معاً: إنتاج ونقص خبرة. واضحٌ أنّ إنتاج الأفلام في العراق معدوم، إلّا إذا كان هناك دعم شخصي، ويُساعدك أصدقاؤك، وتستفيد ممن حولك، أو إذا لديك معرفة شخصية بمدير مؤسّسة معينة، يُمكن أنْ تكون تابعة لحزب سياسي، يتدخّل بطريقة عملك بين الفينة والأخرى. أكاد أجزم بأنّ 95 في المائة ممن يُنجزون أفلاماً، بمن فيهم الذين يكتبون الآن، لا مصادر لديهم يعتمدون عليها لصنع فيلمٍ سينمائي رصين، وعليهم اختبار تجارب سينمائية كثيرة كي يكتسبوا معرفةً ما من هنا وهناك، وذلك لعدم وجود مؤسّسات تعليمية تُعنى بصنع الأفلام. في ظروف إنتاجية وفنية كهذه، يصعب العثور على شاب “يعيش في العراق” ويصنع فيلماً سينمائياً طويلاً، رغم طموح كثيرين.”
المخرج ذو الفقار المطيري أجاب عن سؤالنا إن كان يخطط لفيلم طويل: “بالتأكيد. تمّ إعداد سيناريو لفيلم روائي طويل مأخوذ من رواية كويتية بعنوان “عندما في الأسفل” للكاتب عبد العزيز محمد عبد الله، تدور أحداثها في زمن ما بعد دخول الأميركيين إلى العراق. يعبر شابٌ كويتي (فهد) إلى العراق ليكفّر عن ذنبه بقتل جندي عراقي في الكويت عام 1990، أثناء نومه، ثم يكتشف، بفضل رسائل في جيبه، أنّه مُجنّدٌ قسراً، وهو غير راضٍ عن غزو الأشقاء وتدمير بلدهم، فيُقرّر زيارة أهله والاعتراف بذنبه، لكنّه يعجز عن ذلك أمام طيبة الأهل وحرارة ترحيبهم به، فيتظاهر بأنّه كان صديقه. يسكن في بيته، وينام في غرفته، ويصادق أصدقاءه، ويتزوّج حبيبته. بسبب مشاعر الخطأ وتأنيب النفس وجَلد الذات، يُصاب باضطرابٍ نفسي، يجعله يخلق عالماً داخلياً، يحاول فيه تصحيح أخطائه. لكنّه يفشل، فتسوء حالته، حتى يجد نفسه يركض عارياً في الأزقة، فيقتله مجهولون، لأنّه كويتي في العراق، كتحقيق للعدالة لقتله عراقياً في الكويت بلا ذنب.”
أما عن الأسباب التي تعترض أنتاج فيلم طويل قال المطيري: “السينما تحتاج إلى رأس مال لإنتاج الأفلام، وأصحاب رؤوس الأموال يخافون الاستثمار في السينما، لذلك يقتصر الإنتاج على السينما المستقلّة والأفلام القصيرة. مُشكلة السينما العراقية تكمن في قلّة الإنتاج. هذا بدوره يُلقي بظلاله على القصّة والسيناريو والإخراج والتصوير والمونتاج والتمثيل. قلّة الإنتاج، أو انعدامه، سببٌ أساسيّ. أقصد هنا إنتاج الأفلام الروائية الطويلة لا القصيرة، فالطويلة كفيلةٌ بتنشيط الصناعة السينمائية في العراق.”
وعن صعوبات فيلمه الطويل قال المخرج علي محمد سعيد: “قبل إخراج “موصل 980″، أنجزت أفلاماً قصيرة، بعضها في دراستي الإخراج في الولايات المتحدة. هذه أفلام لم تخرج من قاعة العرض الأكاديمي، ولم يشاهدها سوى زملائي الطلبة، وأصدقاء مُقرّبين. كنتُ أشعر أنّ إطلاق فيلمٍ للجمهور مخيفٌ، ويحتاج إلى شجاعة كبيرة. استغرق الأمر 7 سنوات من الدراسة والمُشاهدة والقراءة، ومن الاطّلاع على تجارب أخرى، لإنجاز سيناريو الفيلم مع السيناريست مصطفى الركابي.
لم يكن مُقدّراً له أنْ يُبصر النور. كنتُ عازماً على وضعه جانباً. كثيرون لا يعلمون أنّ النسخة الأصلية للسيناريو كانت بحدود 24 دقيقة. لكنْ، عندما ذهبت إلى الموصل، بعد فترة وجيزة من تحريرها، واجهتني عواقب لم تكن في مخطّطاتي، كانفجار عبوتين ناسفتين على فريق العمل، أثناء التصوير، الذي انتهى من دون إكماله. ثم غادرتُ إلى أميركا، وبعد شهور، عدتُ إلى العراق لإكمال التصوير، ولم ننجح، فغادرتُ إلى أميركا مُجدّداً. حاولتُ إنجاز الفيلم في غرفة المونتاج، وأمضيتُ شهوراً أحاول إعادة كتابة الحكاية من جديد، وفق المتوفّر من المَشاهد المُصوّرة. ختاماً، أنجِزتْ نسخة بـ11 دقيقة، خرجتْ إلى الجمهور من نافذة سينمائية كبيرة، اسمها “مهرجان برلين السينمائي الدولي”، الذي بدا كأنّه أراد مكافأتي عن سنوات صبر وتعلّم واجتهاد.
ما بعد برلين ليس كما قبلها. فجأة، خرج صوتي إلى العالم عبر فتاة إيزيدية لم تقل شيئاً طوال الفيلم سوى جملة واحدة. أصبحتُ سفيرها. بدأتُ أتنقّل من مهرجان سينمائي إلى آخر، وأتحدّث عن جريمة سبي الإيزيديات، وتدمير مجتمع آمن ومُسالم، وأعرّي بشاعة ما حدث، وأروي قصّة الإبادة الجماعية لمواطنين عراقيين لم يقترفوا ذنباً.”
السيناريست مصطفى حسن كتبتَ سيناريوهات أفلامٍ قصيرة عدّة. سألناه إن كان هل يفكر بسيناريو لفيلمٍ طويل، قال: “سأنتهي من كتابة فيلمي الروائي الطويل الأول قبل نهاية العام الحالي. لديّ الآن أفكار عدّة لمشاريع أفلام روائية طويلة، سأبدأ العمل عليها فور انتهائي من فيلمي الأول.
السيناريست ولاء المانع الذي كتب سيناريوهات أفلام قصيرة أبرزت أهتمامه بموضوع الحيوان والتعامل معه. قال عن ذلك: “أنا مُهتمّ بالحيوانات والنباتات أيضاً، وبكلّ شركائنا في هذا الكوكب، لأنّهم جزءٌ من اهتمامي الأكبر، أي قضايا البيئة والمناخ والمستقبل. أعتقد أنّ الصدفة لعبت دورها في أنْ يكون أول سيناريو لي تمّ إنتاجه، يتناول موضوعه الرئيسي الحيوانات، مع أنّ لدي نصوصاً كثيرة أخرى تعاين موضوعات متنوّعة عن الإنسان والحرية والطفولة والديكتاتورية والحروب والسلطة الفاسدة، وغيرها من القضايا.
يُلاحظ في الأفلام العراقية أنّ هناك محاولات لمُخرجين وجهات مُنتجة تهميش كاتب السيناريو، ومصادرة حقوقه، والتقليل من شأنه السينمائي. أعتقد أنّ أيّ مُخرج يُصادر حقّ كاتب السيناريو ويُهمّشه، يعاني مشاكل نفسية، أو أنّ شخصيته استغلالية وإقصائية. أتمنّى ألاّ أتورّط مُستقبلاً بالعمل مع نماذج كهذه، ولا مع مُخرج يُقلِّل من شأن كاتب السيناريو، لأني أجزم أنّه لا يفقه شيئاً في السينما. السينمائيّ الحقيقي لا يجهل أهمية كاتب السيناريو وعمله، وكلامي هذا لا يحتاج إلى شرح وأدلة. ومع ذلك، لا ضير من التذكير بقول مشهور، منقول عن سيّد التشويق والإثارة ألفريد هيتشكوك: “لكي تصنع فيلماً عظيماً، تحتاج إلى 3 عناصر: السيناريو، والسيناريو، والسيناريو”.
المخرج باقر الربيعي لخص المشكلة في الإنتاج والتمويل. حيث يرى أن من المشكلات المهمّة التي تعانيها السينما عدم وجود جهات إنتاج ودعم حكومي واضح. ورغم هذه العراقيل الإنتاجية، قدّمنا أفلاماً نالت جوائز مهمة في مهرجانات مختلفة، كبرلين ومالمو ووهران. بعض تلك الأفلام نافست أفلاماً أجنبية بقوّة. السينما وسيلة اتصال بالشعوب، ووسيلة اتصال جماهيري عبر ما يُقدّم من صناعة. بالتالي، معظم المخرجين الذين تُقبَل أفلامهم في دول عربية وأجنبية لم تكتمل إجراءات سفرهم. هذا حصل لي، إذْ عانيتُ كثيراً بسبب الإجراءات، بعد قبول الفيلم في سوق مهرجان كانّ السينمائي، وفي أكثر من 25 دولة، لكنْ لم تُنجز التأشيرة بسبب عدم وجود سفارات للبلدان الأجنبية في العراق، وعرقلة الإجراءات للمخرجين من القنصليات، رغم وجود دعوات وتذاكر طيران. هذا يؤثّر سلباً على إنجاز الأفلام، لأن حضور المخرج في المهرجانات مهمٌ وضروري. تخيّل أنّ هذه الأفلام تُدعم من الدائرة، ويكون هناك نتاج سنوي كبير، يُساهم في تحريك العجلة السينمائية، فنكون من الدول المتقدمة في إنتاج أفلام ذات جودة عالية، بكل مقاييس اللغة السينمائية.


