صفقات بأربع دول.. هل ينجح العراق في تحصين أجوائه؟

متابعة/المدى
يسعى العراق إلى إعادة بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، عبر عقود وتفاهمات مع كوريا الجنوبية وتركيا والولايات المتحدة وفرنسا، في محاولة لسد الثغرات التي ظهرت بوضوح مع تكرار اختراق الأجواء العراقية والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، فضلاً عن سحب قوات التحالف الدولي منظوماتها الدفاعية قبل إنهاء مهمتها في البلاد.
وكشف تقرير موسع لمجلة «فوربس» الأميركية، تابعته (المدى)، أن بغداد تتجه إلى تنويع مصادر منظومات الدفاع الجوي، على غرار سياستها السابقة في تسليح القوات البرية والجوية، بدلاً من الاعتماد على دولة واحدة في بناء قدراتها العسكرية.
ويأتي هذا التحرك في وقت لا تزال فيه القدرات العراقية الحالية محدودة، إذ تعتمد على منظومات «بانتسير–أس1» الروسية وأنظمة «أفنجر» الأميركية قصيرة المدى، المزودة بصواريخ «ستينغر»، وهي منظومات لم تتمكن من منع الهجمات بالطائرات المسيّرة أو ردع الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة.
ونقل التقرير عن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان قوله إن العراق تعاقد مع الولايات المتحدة وتركيا وكوريا الجنوبية، وإن أول منظومة دفاع جوي يُتوقع وصولها خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وكان النعمان قد أكد أن الحكومة اختصرت خطة تطوير الدفاع الجوي من ست سنوات إلى ثلاث، مع الإبقاء على أهدافها ومعاييرها، لتشمل حماية جميع الأراضي العراقية، بما فيها إقليم كردستان، وإنشاء قدرة وطنية تتيح السيطرة على المجال الجوي والتعامل مع التهديدات المختلفة. tollbit.forbes.com
ويرى تقرير «فوربس» أن الحاجة إلى هذه المنظومات أصبحت أكثر إلحاحاً بعد انسحاب قوات التحالف وسحب أنظمة الدفاع التي كانت ترافقها، ومن بينها منظومة «باتريوت» التي أسهمت في حماية أربيل خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة.
وأدى سحب هذه الأنظمة إلى ترك فجوة في الحماية الجوية، ولا سيما في إقليم كردستان الذي تعرض خلال السنوات الماضية لسلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وتقول وزارة الدفاع إن خطة تطوير الدفاعات تشمل الإقليم، في وقت تتحدث فيه التصريحات الحكومية عن تقليص الجدول الزمني لتطوير المنظومة العراقية إلى ثلاث سنوات بدلاً من ست.
الصفقة الكورية
تمثل صفقة منظومة «تشونغونغ–2»، المعروفة أيضاً باسم «أم–سام 2»، الركيزة الأساسية في مشروع الدفاع الجوي العراقي، بعدما تعاقدت بغداد مع شركة «أل آي جي نكس ون» الكورية الجنوبية للحصول على ثماني بطاريات متوسطة المدى.
وتبلغ قيمة العقد نحو 2.8 مليار دولار، وقد أُعلن عنه في أيلول 2024، ليصبح العراق رابع دولة تشغل المنظومة بعد كوريا الجنوبية والإمارات والسعودية. وتتمتع «أم–سام 2» بقدرة على اعتراض الطائرات والصواريخ، بما فيها الصواريخ الباليستية في مراحل محددة من مسارها، وهو ما يمنح العراق قدرة لا توفرها منظوماته الحالية.
وبحسب «فوربس»، فضّل العراق المنظومة الكورية على نظام «سامب/تي» الفرنسي بسبب جدول التسليم الذي عرضته سيول، إلا أن تنفيذ الصفقة واجه نقاشات مرتبطة بتمويل الدفعات المالية.
وفي آب الماضي، عقدت وزارتا المالية والدفاع اجتماعاً مع الجانب الكوري لاستكمال آليات التمويل والدفع والإجراءات القانونية الخاصة بالعقد، وسط تأكيدات بالمضي في تنفيذه.
ومع ذلك، توجد تباينات بشأن موعد وصول البطاريات الكورية. ففي حين تتحدث التصريحات العراقية عن وصول أول منظومة دفاعية خلال أشهر، نقلت مجلة «جينز» عن ممثل لشركة «هانوا إيروسبيس» أن أول نظام كوري مخصص للعراق متوقع تسليمه في أواخر عام 2028، مع عدم حسم الجدول النهائي بصورة كاملة. janes.com
ويشير هذا الاختلاف إلى أن المنظومة المتوقع وصولها خلال الأشهر المقبلة قد تكون تركية أو أميركية، وليست بالضرورة إحدى بطاريات «أم–سام 2»، ما لم يجرِ تقديم موعد التسليم الكوري ضمن المفاوضات الجارية.
ولا تقتصر الصفقة الكورية على تسليم منصات إطلاق وصواريخ، بل تشمل رادارات وأنظمة قيادة وسيطرة وتدريب كوادر عراقية فنية وقتالية لتشغيل البطاريات وصيانتها، بما يسمح بتشغيلها بطواقم عراقية.
منظومات تركية لمواجهة المسيّرات
بالتوازي مع الصفقة الكورية، يعمل العراق على استكمال شراء 20 منظومة دفاع جوي من تركيا، تركز بصورة رئيسة على مواجهة الطائرات المسيّرة والتهديدات القريبة من المنشآت الحيوية.
وكان معاون رئيس أركان الجيش للعمليات سعد حربية قد أعلن توقيع عقد مع شركات تركية حكومية، مع استمرار العمل على استكمال التفاصيل المالية، موضحاً أن بغداد اختارت الأنظمة التركية بسبب قدرتها على مواجهة المسيّرات وكلفتها الأقل نسبياً، فضلاً عن قرب تركيا جغرافياً من العراق. The National
ورجح تقرير «فوربس» أن يكون نظام «كوركوت» جزءاً من المشتريات التركية، لكنه لم يقدم تأكيداً رسمياً عراقياً أو تركياً بأن العقد يقتصر على هذا النوع.
ويعمل «كوركوت» بمدافع مضادة للطائرات وذخائر ذكية مصممة للتعامل مع الأهداف الجوية القريبة، خصوصاً الطائرات المسيّرة الصغيرة، ما يجعله مناسباً لحماية القواعد العسكرية وحقول النفط والمطارات ومراكز القيادة.
وفي حال الجمع بين «أم–سام 2» الكوري و«كوركوت» التركي، يمكن للعراق إنشاء دفاع متعدد الطبقات، تتولى فيه المنظومة الكورية التعامل مع الأهداف على المديات والارتفاعات المتوسطة والصواريخ، بينما توفر الأنظمة التركية حماية قريبة ضد المسيّرات والذخائر الجوالة.
غموض الصفقة الأميركية
ورغم تأكيد الحكومة وجود تعاقد مع الولايات المتحدة، لا تزال طبيعة الأنظمة الأميركية المتفق عليها غير معلنة، سواء من حيث نوعها أو أعدادها أو مواعيد تسليمها.
وكان العراق قد سعى خلال العقد الماضي إلى امتلاك منظومات «هوك–21» متوسطة المدى، لكنه حصل في النهاية على أنظمة «أفنجر» القصيرة فقط.
ويرجح تقرير «فوربس» إمكان عودة بغداد إلى منظومات متوسطة المدى قادرة على العمل إلى جانب البطاريات الكورية، لكنه شدد على أن نوع السلاح الأميركي لا يزال غير واضح، ما يجعل الحديث عن «هوك» أو غيره في نطاق الاحتمال وليس العقد المؤكد.
وتحتاج المنظومة العراقية الجديدة إلى شبكة متكاملة من رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات، لأن امتلاك الصواريخ والمدافع وحده لا يكفي لتأمين المجال الجوي إذا لم ترتبط هذه الأسلحة بمنظومة رصد وتبادل معلومات موحدة.
تفاهمات فرنسية لا تزال أولية
أما المسار الفرنسي، فلا يزال في مرحلة التفاهمات وخطابات النوايا، ولم يتحول، وفق المعلومات المعلنة، إلى عقد نهائي لتسليم منظومات دفاع جوي متوسطة أو بعيدة المدى.
وخلال زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى باريس في أيلول الماضي، وقّعت وزارة الدفاع العراقية خطاب نوايا مع شركة «هارماتان أي آي» الفرنسية بشأن أنظمة دفاع جوي مستقلة، إلى جانب الاتفاق على خريطة طريق للمشتريات العسكرية المستقبلية من الشركات الفرنسية.
كما شملت المباحثات أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي والمراقبة والمدفعية والحركة الجوية، فضلاً عن استمرار التعاون العسكري بين البلدين بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي.
ويعني ذلك أن ما جرى مع الجانب الفرنسي يمثل إطاراً للتفاوض والتعاون المستقبلي، وليس صفقة مكتملة مماثلة للعقد الكوري.
ويعكس توزيع المشتريات بين أربع دول محاولة عراقية للحصول على منظومات متخصصة في اعتراض تهديدات مختلفة، وتجنب الارتهان لمصدر تسليح واحد. لكنه يضع في الوقت نفسه تحدياً أمام القيادة العسكرية يتعلق بدمج أنظمة كورية وتركية وأميركية وفرنسية وروسية ضمن شبكة قيادة وسيطرة واحدة.
وتحتاج هذه الأنظمة إلى بروتوكولات اتصال متوافقة، وتدريب متنوع، وخطوط منفصلة للصيانة وقطع الغيار والذخائر، ما قد يرفع كلفة التشغيل ويعقّد عملية الإدارة إذا لم تُبنَ منظومة وطنية موحدة لربط الرادارات ووسائل الاعتراض.
ويخلص تقرير «فوربس» إلى أن مشروع الدفاع الجوي يعيد إنتاج سياسة العراق القديمة في تنويع مصادر التسليح، كما حصل عندما جمع بين طائرات «ميراج» الفرنسية و«ميغ» السوفيتية، ثم بين مقاتلات «أف–16» الأميركية ومشروعات محتملة لشراء «رافال» الفرنسية أو «جي أف–17» الصينية الباكستانية.
غير أن الاختبار الأساسي لن يكون في عدد الصفقات أو تنوع الدول الموردة، بل في قدرة العراق على دمج المنظومات الجديدة ضمن شبكة دفاعية واحدة، وتوفير التمويل المستمر والتدريب والصيانة، بما يحول المشتريات المتفرقة إلى مظلة جوية فعلية قادرة على حماية المدن والمنشآت الحيوية وفرض السيادة على المجال الجوي.


